كثيرا ما ينتهي حلم الغرق باستيقاظ مفاجئ، فيجد الإنسان نفسه على فراشه يلهث ويتلفت حوله وكأنه خرج للتو من الماء. وهذه النهاية مألوفة جدا بين الناس، وتثير سؤالا عما إذا كان في ذلك معنى خاص. والتفسير في هذا الباب اجتهاد ظني لا يُقطع به، ولذلك ينبغي أن يُنظر إلى هذه المعاني نظرة رمزية هادئة. فالحلم ليس إنذارا بحدث حقيقي، وإنما هو في الغالب مرآة لحال النفس وما يعتمل فيها.
الغرق عند أهل التعبير يشير إلى أن أمرا من أمور الدنيا قد علا على صاحبه كالدين أو الهم أو الفتنة أو الذنب. والاستيقاظ المفاجئ في وسطه يمكن أن يُفهم بأن الرائي لم يصل بعد إلى نهاية هذا الأمر، لكنه خرج منه بوعي ويقظة. وكأن الحلم ينبهه إلى شيء قبل أن يستفحل، فيكون الاستيقاظ بمثابة جرس تنبيه. وهذا الفهم يمنح الحلم معنى إيجابيا، ويحوله من مصدر قلق إلى دعوة للانتباه والمراجعة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الغرق قد يدل على الدخول في فتنة أو دين، وأن الخروج من الماء يدل على التخلص منها. وأما الاستيقاظ قبل تمام المشهد فلم يتناوله المفسرون القدماء بتفصيل واضح، ولذلك اجتهد بعض المعاصرين في ربطه بحال الرائي، فذهب بعضهم إلى أنه إشارة إلى نجاة قريبة أو تنبيه إلى أمر ينبغي الالتفات إليه. وهناك من رأى أنه لا معنى رمزيا له أصلا وأنه مجرد أثر جسدي. وهذا الاختلاف يؤكد أن الأمر ليس مما يُجزم به.
وللسياق أثر كبير في هذا الحلم، فإن كان الماء عكرا أو هائجا وانتهى الحلم قبل الغرق التام فقد يشير إلى أن الرائي يقترب من أمر مقلق لكنه قادر على تجنبه. وإن كان الماء صافيا فالأمر أخف وأقرب إلى الانشغال العارض. ولحال الرائي لحظة الاستيقاظ دلالة، فمن استيقظ مفزوعا ثم استغفر وارتاح فهذا أقرب إلى حديث النفس. ومن استيقظ وفي قلبه رغبة في العودة إلى الله أو في ترتيب أموره فقد يكون الحلم قد أدى غرضه.
وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة، قد يشير الاستيقاظ المفاجئ إلى توتر يرافق مرحلة انتقالية كالدراسة أو الخطبة أو اختيار طريق في الحياة. وقد يعبر عن رغبتها في النجاة من ضغوط الأهل أو المجتمع. أما المرأة المتزوجة فقد يرتبط بإرهاق متراكم من أعباء البيت والأولاد، وقد يكون بمثابة نداء داخلي للراحة. وكذلك الحامل التي كثيرا ما تعاني من نوم متقطع وأحلام حية بسبب التغيرات الجسدية والنفسية، فيكون الحلم عندها في الغالب انعكاسا لذلك لا أكثر.
ومن التفاصيل التي قد تساعد: هل استيقظت قبل الغرق أم بعده، وهل كنت وحدك أم مع غيرك، وهل تكرر الحلم في ليال متتالية. فتكرار الحلم يشير في الغالب إلى أمر لم يحسمه الإنسان في يقظته أكثر من كونه رسالة غيبية. وهل استيقظت في وقت معين من الليل، فقد يتصل ذلك بعادات النوم أو بقلق قبل الفجر. ومن الجميل أن يغتنم المسلم هذا الاستيقاظ بوضوء وركعتين ودعاء، فإن في ذلك راحة للقلب وخيرا في الدنيا والآخرة.
وعلى الجانب النفسي والعملي، فإن الاستيقاظ المفاجئ مع إحساس الاختناق قد يرتبط أحيانا بالقلق أو بانقطاع التنفس أثناء النوم أو بالنوم على الظهر في وضع مرهق. ولذلك فمن المفيد أن ينتبه الإنسان إلى نظام نومه، فينام مبكرا ويتجنب الطعام الثقيل قبل النوم ويخفف من المنبهات. وينبغي كذلك أن يعالج مصادر التوتر في يومه بالتنظيم والتحدث إلى المقربين وتقليل ما يستنزفه. وإذا تكرر الاستيقاظ المفزع وأثر في صحته فاستشارة طبيب أو مختص تكون خطوة حكيمة لا تنافي الإيمان.
ومما يُنصح به في مثل هذه الحال ألا يبالغ الإنسان في تحليل لحظة الاستيقاظ ذاتها، فإنها في أغلب الأحيان استجابة طبيعية من الجسد حين يشتد التوتر في الحلم، وليست رسالة مشفرة. وقد قرر العلماء قديما أن من الأحلام ما هو من الشيطان ليحزن به ابن آدم، وأن علاجه الاستعاذة وعدم الانشغال به. فإذا استيقظ المرء مذعورا فليشرب ماء، وليتوضأ إن شاء، وليذكر الله، ثم ليعد إلى نومه على جنبه الأيمن وقلبه مطمئن بأن الله حافظه، وبأن ما رآه لن يضره بإذن الله.
وفي الختام، فتفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، وما يُقال فيه لا يصلح أن يكون أساسا لقرار مالي أو أسري أو مهني. والغيب لا يعلمه إلا الله، وكل ما في الأمر أن الحلم قد يكون حديث نفس أو إشارة عابرة. فعلى المسلم أن يحسن الظن بالله، ويستعيذ به من شر ما رأى، ويدعوه أن يجعل أيامه خيرا وأن يريحه من كل ثقل، فهو القريب المجيب.
