قد يرى الإنسان في منامه أنه يغرق في الماء ثم يتحول الماء فجأة إلى أرض صلبة أو يابسة تحت قدميه، فيقف عليها بعد أن كاد يهلك. وهذه من الصور الغريبة المحببة التي يستيقظ منها الرائي بدهشة وراحة، وتخطر على البال فيها معاني الفرج والانتقال المفاجئ من الشدة إلى الأمان. وتفسير الأحلام رمزي لا يُحمل على ظاهره، ولا يعني أن الأمر سيقع بهذه الصورة، وإنما هو إشارة عامة تُستأنس بها.
الغرق في المنام يرمز عند المعبّرين عموماً إلى الانغمار في الهموم أو الديون أو الذنوب أو الفتن، وأما اليابسة فتدل على الثبات والاستقرار والأرض التي يقف عليها الإنسان بأمان. فإذا تحول الماء المحيط إلى أرض، فقد يُفهم أن الضيق الذي كان يحاصر الرائي سيتبدل بسعة، وأن ما كان يخيفه سيصبح ثابتاً مأموناً. وهذا انتقال رمزي من الاضطراب إلى السكون، ومن الخوف إلى الطمأنينة، بتدبير الله ولطفه.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن النجاة من الغرق علامة على السلامة والفرج، وأن الأرض في المنام تدل عادة على الثبات والرزق والاستقرار بحسب حالها. وذهب بعض المفسرين فيما نُقل عنهم إلى أن تغيّر الحال المفاجئ من خوف إلى أمن يدل على فرج غير متوقع، وأن ذلك من لطف الله بعباده. ومع ذلك فإن أقوال أهل التعبير في هذه الصورة بعينها قليلة ومتفاوتة، فهي من باب الاجتهاد القائم على القياس لا على نص ثابت.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل. فإن كانت اليابسة صلبة ثابتة نظيفة فهي أبشر، وإن كانت موحلة أو رخوة فقد تدل على استقرار يحتاج إلى مزيد من العناية والصبر. وإن تحول الماء وهو في أشد حالاته فذلك يدل على مفاجأة الفرج، وإن حدث تدريجياً فقد يدل على تحسن بطيء ثابت. وإن شعر الرائي بالسعادة والامتنان فذلك أقرب إلى المعنى الطيب، وإن شعر بالارتباك فقد يعبر عن صعوبة التصديق بأن الشدة انتهت.
وللرجل قد يعبر الحلم عن انفراج في أمر عمل أو دين أو مسؤولية كانت تضغط عليه. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى استقرار أسري بعد توتر. وللفتاة غير المتزوجة قد يدل على ثبات في أمر كانت قلقة بشأنه كدراسة أو نصيب. وللحامل قد يكون صدى لتطلعها إلى الأمان والراحة بعد فترة من التعب، فتستبشر بذلك وتدعو الله بالسلامة، وتأخذ بالأسباب الطبية المعتادة دون أن تبني عليه توقعات جازمة.
ومن الدقائق أن يتأمل الرائي ما حدث بعد ظهور اليابسة: هل مشى عليها؟ هل وجد عليها أحداً؟ هل رأى بيتاً أو شجرة أو طريقاً؟ فهذه الرموز قد تشير إلى طبيعة الاستقرار المنتظر، فالبيت يرمز إلى سكن وأسرة، والشجرة إلى رزق وخير، والطريق إلى توجه جديد. وكل ذلك احتمالات على سبيل الاستئناس. كما أن حال الثياب والجسد بعد الخروج يدل على أثر التجربة فيه، أخف أو أثقل.
وعملياً، فإن هذا الحلم يدعو الرائي إلى أن يحافظ على ثباته حين تتحسن الأحوال، ولا ينسى أنه كان في ضيق فينسى شكر الله وصلة الأرحام ومساعدة المحتاجين. فمن أسباب دوام النعمة الشكر، وهو يبدأ بالقلب ويظهر في العمل. وليبادر إلى ترتيب أموره حتى لا يعود إلى الغرق في المشكلات نفسها، كالتخطيط المالي أو إصلاح العلاقات أو الاهتمام بالصحة.
ومن الجانب النفسي، فإن الأحلام التي تتحول فيها الشدة إلى سكينة تعبر عن مرحلة تعافٍ داخلي أو أمل قوي في الفرج، وهي علامة صحية في العموم. ومن الحسن أن يحافظ الإنسان على هذا الأمل بالعمل التدريجي وبصحبة من يشجعه، وأن يتجنب الإفراط في التفاؤل الذي ينسيه الأخذ بالأسباب. وإن كان قلقه الحقيقي ما زال شديداً، فلا بأس أن يتحدث إلى شخص موثوق ليعينه على الاستقرار.
ومن اللطائف أن تحول الماء إلى أرض في الحلم يذكّر بأن الأحوال بيد الله يقلّبها كيف يشاء، وأنه سبحانه قادر على أن يجعل من الضيق مخرجاً ومن العسر يسراً بلمحة. فليحسن العبد الظن بربه في كل حال، وليدعه بإلحاح وتضرع، وليبقَ مستعداً لاستقبال الفرج بقلب شاكر وصبر جميل، فإن الفرج مع الصبر وإن تأخر.
ولا يخفى أن الصور الغريبة في الأحلام كتحول الماء إلى أرض تعكس طبيعة العقل الذي يمزج المألوف بالعجيب ليعبر عن شعور ما. فلا ينبغي أن يشغل الرائي نفسه بتفسير كل جزئية، وإنما يكفيه أن يأخذ المعنى العام من أمل وسكينة، ويتوكل على الله ويعمل.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج. وعلى المسلم أن يقابل ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه القادر على كل شيء، الذي يبدّل الحال من حال إلى حال بحكمته ورحمته.
