يرى بعض الناس في منامهم أنهم يغرقون في بحر عميق ثم يظهر لهم حوت ضخم أو سمكة كبيرة تقترب منهم أو تحيط بهم، فيجتمع في نفوسهم الرهبة والدهشة. وهذه الرؤية من الرؤى المهيبة التي تذكر الإنسان بعظمة خلق الله. ومن الواجب أن نذكر أن تفسير الأحلام اجتهاد ظني لا يُقطع به، وأن الرموز تختلف باختلاف الرائين. فالحلم ليس خبرا بما سيقع، بل صورة رمزية يُستأنس بها.
الحوت في الرموز له حضور قوي، فهو عند بعض المعبرين رمز للرجل العظيم أو السلطان أو المسؤولية الكبيرة أو الأمر العظيم الذي يغمر الإنسان. والغرق يشير إلى الانغمار في أمر من أمور الدنيا. فاجتماعهما قد يعبر عن أن الرائي يواجه أمرا كبيرا يفوق حجمه، كمسؤولية ضخمة أو سلطة أو ظرف مهيب. وقد يعبر عن شعوره بالصغر أمام الأحداث. ومن جهة أخرى فإن الحوت في الذاكرة الإسلامية يذكّر بقصة نبي الله يونس عليه السلام.
وقد ورد في القرآن الكريم أن الله تعالى أنجى يونس عليه السلام من بطن الحوت وظلمات البحر حين دعا ربه، وهي قصة عظيمة في الاستغاثة والتوبة. ولذلك فإن بعض المفسرين يستأنسون بها حين يرون حوتا في الأحلام، فيجعلون ذلك تذكرة بالدعاء الذي دعا به يونس، وبأن الله ينجي من الكرب لمن لجأ إليه. وهذا استئناس لا تأويل قاطع. فمن رأى هذا الحلم فقد يجد فيه دعوة إلى الإكثار من الذكر والاستغفار في وقت الشدة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحوت قد يدل على السلطان أو الرجل ذي الشأن، وأن من ابتلعه الحوت فقد يقع في أمر عظيم يخرج منه بحسب حاله. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن السمكة الكبيرة قد تدل على رزق عظيم أو رجل ذي هيبة. وهذه الأقوال تختلف بحسب القرائن، وبعضها يجعل الحوت علامة خير وبعضها يجعله علامة ابتلاء. ولا ينبغي أن يُجزم بأحدها، فإنها اجتهادات.
ويتغير المعنى بحسب ما جرى في الحلم، فإن كان الحوت وديعا لا يؤذي ورأى الرائي نفسه يسبح بجواره أو يمتطيه فذلك أقرب إلى الخير والسيطرة على أمر كبير أو الحظوة عند صاحب نفوذ. وإن كان الحوت يلاحقه أو يهاجمه فقد يعبر عن خوف من جهة قوية كمدير أو منافس أو التزام ثقيل. وإن ابتلعه ثم لفظه سالما فذلك مبشر بنجاة بعد شدة. وإن بقي في الماء حتى استيقظ فهو أقرب إلى قلق لم يُحسم. وهل كان الماء صافيا فيكون الخير أقرب.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن رهبتها من أمر كبير في حياتها كقرار الزواج أو السفر أو العمل، أو عن إعجابها بشخص ذي مكانة. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن رجل ذي سلطة في بيتها أو عملها أو عن مسؤولية ضخمة تشعر بثقلها. وللرجل قد يعبر عن مدير أو سلطان أو مشروع كبير يخشى أن يغمره. وللحامل قد يعبر عن رهبة الولادة وعظمة الحدث. وكلها قراءات احتمالية.
ومن الدقائق: حجم الحوت ولونه، وهل كان يتحدث أو يصدر صوتا، وهل رأيت عينه، وهل كان معه أسماك صغيرة. وهل كنت تخافه أم تأنس إليه. وهل شعرت بأنه يحميك أم يهدد. وهل رأيت في الحلم مركبا أو جزيرة أو ضوءا. وتتعدد هذه التفاصيل بتعدد الرائين، ولا ينبغي أن يقف الإنسان عندها طويلا، فمعنى الحلم العام أهم من جزئياته.
ومن الجانب العملي، فإن من رأى هذا الحلم وهو يواجه أمرا كبيرا في حياته فليقسم المهمة العظيمة إلى مهام صغيرة، وليستعن بأهل الخبرة، وليتذكر أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. وقد يحسن أن يحفظ دعاء يونس عليه السلام ويكثر منه في الشدائد، فهو من الأدعية العظيمة التي ورد الترغيب في الإكثار منها. ولا ينبغي أن يتعلق قلبه بالحلم نفسه، بل بربه الذي بيده كل شيء.
ومن الناحية النفسية، فإن مواجهة الكائنات الضخمة في الأحلام ترمز في الغالب إلى مشاعر العجز أمام ما هو أكبر منا، كمسؤولية جديدة أو شخص ذي سلطة أو حدث مفاجئ. وهذا الشعور طبيعي ومؤقت، وقد يخف بالتدرج والتخطيط. وإن تكرر الحلم بصورة مزعجة فمن الحكمة أن يتحدث الإنسان إلى شخص يثق به أو مختص يعينه على استعادة توازنه.
ومن اللطائف أن قصة الحوت في القرآن ارتبطت بدعاء قصير عظيم، ففيه إقرار بالتوحيد وتنزيه لله واعتراف بالتقصير، وهذه هي مفاتيح الفرج. فليكن هذا الحلم مناسبة لتجديد التوبة والرجوع إلى الله بصدق.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار في العمل أو السفر أو التعامل مع صاحب سلطان. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الذي ينجي من الظلمات. فليحسن المسلم الظن بربه، وليدعه بما دعا به أنبياؤه، وليثق بأن رحمته قريبة من المحسنين.
