قد يرى الإنسان في منامه أن أحدًا ينصحه ويرشده وهو يصغي إليه، فيستيقظ وقد ثقلت في نفسه عبارة أو معنى مما سمع. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فالناصح فيها قد يكون شخصًا حقيقيًّا وقد يكون صوتًا داخليًّا يعبر عما يعرفه الرائي في أعماقه. ويتوقف المعنى على مضمون النصيحة وأسلوب الناصح وشعور الرائي حيالها. ولا يصح أن يُبنى على الحلم جزم بشيء. فالأولى أن يتأمله بهدوء ويسأل نفسه عما يحتاج إلى مراجعته في حياته.
الأذن ترمز إلى الإصغاء وتلقي الكلام والأخبار والنصيحة والانتباه لما يقال، والنصيحة هي أخص ما يتعلق بهذا الرمز، فهي كلام موجه لخير المنصوح. فسماعها في المنام يدل غالبًا على حاجة إلى التوجيه، أو على موقف يستدعي مراجعة قرار، أو على كلمة صادقة يحتاج الرائي إلى أن يسمعها من نفسه ومن غيره. وقد يعبر عن رغبته في الاستقامة وحسن التدبير. وقد يكون صدى لنصيحة تلقاها في يقظته ولم يعمل بها. وهذا فهم عام لا يقطع بشيء محدد.
نُسب إلى ابن سيرين أن الكلام الحسن الذي يسمعه الرائي في المنام من ناصح يُحمل على الخير والتوجيه، وأن قبوله يدل على حسن الحال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن النصح المسموع في الرؤيا يدل على الإشارة إلى أمر يجب النظر فيه. وتختلف الآراء في تفاصيل ذلك بحسب الناصح وحال الرائي. وهذه الصورة بخصوصها أقل تناولًا في الكتب القديمة بصيغة مفصلة، فلا يوجد نص قاطع يُعتمد عليه. ولذلك يبقى الاجتهاد فيها ظنيًّا ولا يتعدى الإشارات العامة.
يؤثر السياق في الفهم، فإذا كان الناصح قريبًا محبوبًا وأسلوبه لطيفًا، فالأقرب أن تدل الرؤيا على عناية وتوجيه صادق. وإذا كان الناصح غريبًا، فقد يعبر عن رأي من خارج الدائرة المألوفة يحتاج إلى وزن. وإذا كانت النصيحة قاسية في أسلوبها، فقد تعكس شدة الرائي على نفسه. وإذا قبلها الرائي في الحلم بارتياح، فالمعنى أخف وأقرب إلى الاستقامة. والعبرة بالمشهد كله.
وإذا كانت الرائية عزباء، فقد يشير سماع النصيحة إلى حاجتها إلى توجيه في أمر دراسة أو عمل أو علاقة، أو إلى مراجعة اختيار قريب، أو إلى كلام أهلها الذي قد تحتاج إلى التمعن فيه. ويحسن بها أن تستمع إلى من يحبونها بقلب مفتوح، وأن تزن النصائح بميزان العقل وتجربتها. وأن تجمع بين الاستشارة والاستقلال في القرار. وألا تتخذ من الحلم قرارًا نهائيًّا. فكل نصيحة تحتاج إلى نظر وتدبر.
أما المتزوجة فقد يدل المشهد على أمر في البيت يحتاج إلى تدبير، أو على نصيحة تلقتها في شأن الأسرة، أو على حاجتها إلى الإصغاء إلى من حولها أو الإنصات إلى نفسها. وإن كانت حاملًا فقد تتزاحم عليها النصائح من كل جهة، فيظهر ذلك في أحلامها. ولتأخذ بتوجيه الطبيب المختص في ما يخص صحتها، فالرؤيا ليست نصيحة طبية. وتختار من النصح ما يوافق حالها.
وبالنسبة للرجل، قد يشير سماع النصيحة إلى حاجته إلى مشورة في عمل أو مال أو علاقة، أو إلى مراجعة طريقة تعامله مع الآخرين. ويحسن به أن يستشير ذوي الخبرة والأمانة، وأن يقبل الحق ممن جاء به. وألا يغضب من النقد البناء. وأن يزن ما يسمعه بميزان العقل. وهذه نصائح عامة لا تتضمن اتهام أحد.
وفي التفاصيل الدقيقة يُنظر إلى لين العبارة وإلى مضمون النصيحة إن تذكره الرائي، فالمضمون هو الأهم، فقد يتعلق بالصبر أو بالعمل أو بالعلاقات. وإلى هل قبل الرائي النصح أم اعترض عليه، وإلى هل تكرر النصح في الحلم. فالتكرار قد يدل على أمر مهم يلح على الرائي. وكل ذلك قرائن تقريبية لا جزم فيها، وتختلف باختلاف الأشخاص.
ومن الجانب العملي والنفسي، فإن الحلم قد يكون صوت الضمير أو انعكاسًا لنصيحة قيلت في اليقظة ولم يستجب لها. ويفيد أن يسأل الرائي نفسه ما الأمر الذي يتردد في إصلاحه، وأن يكتب خطوة صغيرة يبدأ بها، وأن يطلب مشورة من يثق به. وأن يتذكر أن الاستماع للنصح لا يعني الضعف. وإذا أحس بألم أو ضعف أو انسداد حقيقي في الأذن فليراجع الطبيب، فالحلم ليس نصيحة طبية.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤيا إلا رموز تعين على التأمل. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه بصيرة وقبولًا للحق ويصرف عنه كل ضر. ثم يمضي في يومه مطمئنًا. والله تعالى أعلم.
