قد يسمع النائم في منامه تغريد الطيور وزقزقتها، فيستيقظ منشرح الصدر ويتساءل عن معنى ذلك. والأصل أن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فصوت الطيور في الحلم رمز للأنس والأخبار والبهجة لا خبر مؤكد عن شيء. وما يُذكر في هذا المقال اجتهاد في الفهم يُقصد به التأمل والطمأنينة. ولا ينبغي أن يُبنى على حلم واحد قرار مهم أو توقع جازم. فمن رأى هذه الصورة فليقرأها بهدوء وليربطها بحاله.
الطير في الرموز يدل على الخفة والانطلاق والأخبار، وصوته يرمز إلى الكلام اللطيف والبشائر، والأذن ترتبط بالإصغاء وتلقي الأخبار والنصيحة. فاجتماعها قد يشير إلى أخبار سارة تصل، أو مرحلة أنس وانشراح، أو أمل جديد يتغرد في القلب. وقد يعبّر عن صحبة طيبة وكلمات لطيفة. وقد يدل في بعض السياقات على كثرة الكلام الخفيف بين الناس. وهذه معانٍ محتملة يرجحها الحال.
نُسب إلى ابن سيرين أن الطيور في المنام تدل على الأخبار والبشارات بحسب نوعها وصوتها، وأن الصوت الحسن منها قد يدل على كلام طيب وخبر حسن. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تغريد الطير في الرؤيا يتصل بالأنس والفرح، وأن بعض أنواعها يدل على ما يخصه من أمور. وتختلف الآراء في هذا الباب اختلافًا ظاهرًا، فلا يوجد قول واحد متفق عليه. كما أن سماع الصوت دون رؤية الطير أقل تناولًا بتفصيل في الكتب القديمة. ولذلك يؤخذ ما ذُكر استئناسًا لا قطعًا.
يحدد السياق الاتجاه الأقرب للمعنى. فإن كان التغريد عذبًا هادئًا في صباح مشرق فهو أقرب إلى بشرى وانشراح وأخبار طيبة. وإن كان صاخبًا مزعجًا فقد يعبّر عن كلام كثير بلا فائدة أو عن ضجة حول الرائي. وإن كان خافتًا متقطعًا فقد يدل على أمل ضعيف يحتاج إلى رعاية. وإن كان في مكان مظلم فقد يدل على أمل وسط ضيق. فليتذكر الرائي شعوره، فهو أهم القرائن.
وللعزباء قد يدل صوت الطيور على أخبار سارة تتصل بدراستها أو عملها أو مستقبلها، وعلى مرحلة تفاؤل وانشراح. وقد يعبّر عن صحبة طيبة تدخل حياتها. وللمتزوجة قد يدل على أنس في البيت ومودة وأخبار طيبة عن الأهل والأولاد. وربما أشار إلى كلام حسن يصلها من قريب. والأفضل أن تقرأ الصورة بتفاؤل معتدل مع بقاء السعي والعمل.
وللرجل قد يدل صوت الطيور على أخبار حسنة في العمل أو السفر أو الأسرة، وعلى صحبة خفيفة ومجالس طيبة. وقد يعبّر عن أمل جديد بعد فترة ضيق. وللحامل قد تعكس الصورة سرورها وانتظارها الطيب وحاجتها إلى الهدوء والأجواء المبهجة. ولا يصح اعتبارها إشارة إلى حال جسدي، فهي رمز لما في النفس. ويكفي أن تفهم على أنها بشرى معنوية بالأنس.
وفي التفاصيل الدقيقة يُنظر إلى نوع الطائر وعدده ووقت التغريد، هل هو عصفور أو بلبل أو حمام أو غراب، وهل كان في الصباح أو الليل. فالبلبل والعصفور قد يوحيان بالأنس والبشائر، والحمام بالسكينة، والغراب قد يوحي بخبر يحتاج إلى تثبت قبل تصديقه. وتغريد الصباح قد يوحي ببداية جديدة. وتغريد الليل قد يوحي بأمل في ضيق. وكل ذلك قرائن لا قواعد.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يعبّر الحلم عن حاجة إلى البهجة والتفاؤل، وقد يكون صدى لتغريد حقيقي قرب نافذة الرائي أو لمقطع صوتي سمعه. وهذا سبب شائع ومباشر. ويفيد أن يمنح الرائي نفسه وقتًا في الطبيعة وأجواء هادئة. وليس الحلم نصيحة طبية؛ فإن كان يسمع في اليقظة أصواتًا بلا مصدر أو يشكو من طنين أو ألم أو ضعف في السمع فعليه مراجعة الطبيب. فالأمر الصحي لا يُترك للتفسير.
ويحسن كذلك أن يعلم الرائي أن أجمل ما في هذه الصورة أنها تدعو إلى الشكر والانشراح. فليشكر الله على نعمة السمع وعلى ما في حياته من خير، وليكن لسانه كتغريد الطير في عذوبته. وإن كان مهمومًا فليجعل الحلم بابًا للأمل. وإن كان مطمئنًا فليزد في إحسانه إلى من حوله. وبهذا تتحول الرؤيا إلى معنى عملي طيب. ومن الحسن أن يبادر الرائي إلى إدخال السرور على من حوله بكلمة طيبة أو اتصال لطيف، فإن البشارة التي يتمناها لنفسه يمكن أن يصنع مثلها لغيره، وفي ذلك أنس وبركة في الوقت.
وخلاصة القول أن سماع صوت الطيور في المنام رمز يميل إلى الأنس والبشارة والأمل وأخبار الخير، وتتفاوت دلالته بحسب الحال والسياق. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه يقين. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بربه وأن يدعو الله أن يتم عليه الخير. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو أعلم بما يكون.
