سماع كلام الأب في المنام من الرؤى التي تحمل شحنة وجدانية خاصة، فالأب في وجدان كثيرين رمز للسند والتوجيه والخبرة. ولذلك قد يستيقظ الرائي وفي قلبه خليط من الحنين والطمأنينة أو التساؤل. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا يصح أن يُبنى عليها قرار أو يُستخرج منها خبر محدد. والمعنى يتوقف على مضمون الكلام ونبرة الأب وحال الرائي في يقظته. فالأولى أن تُقرأ الرؤيا بهدوء وتُربط بما يمر به الرائي من أمور.
الأذن ترمز إلى الإصغاء وتلقي الكلام والأخبار والنصيحة والانتباه لما يقال، والأب يرمز إلى القوامة والخبرة والعون والمرجعية. فاجتماعهما في مشهد واحد ينبئ بإصغاء الرائي إلى توجيه أو نصيحة أو رأي ذي ثقل في حياته. وقد يكون هذا الرأي صادرًا من أب حاضر في الواقع، وقد يكون صدى لذكرى أو لأثر تربية في داخل الرائي. وقد يعبر الحلم كذلك عن حاجة إلى سند أو إلى من يستشيره. ولا يقطع هذا بشيء معين.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأب في المنام يدل في الجملة على العناية والتوجيه، وأن الكلام الطيب منه يميل إلى الخير والبركة في الأمر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يسمعه الرائي من الأقارب الكبار قد يُحمل على النصح والمشورة. وتختلف الآراء في تفاصيل ذلك بحسب مضمون الكلام وحال الرائي. وهذه الصورة، سماع الكلام من الأب خصوصًا، أقل تناولًا في الكتب القديمة بصيغتها هذه، فلا يوجد نص قاطع فيها. ولذلك يبقى الاجتهاد فيها ظنيًّا.
يؤثر السياق في الفهم، فإذا كان الأب يتكلم بهدوء وحنان، فالأقرب أن تدل الرؤيا على طمأنينة وتوجيه نافع. وإذا كان الكلام عتابًا أو لومًا خفيفًا، فقد يشير إلى أمر يراجع فيه الرائي نفسه أو يشعر بتقصير تجاهه. وإذا كان الأب في الواقع بعيدًا أو غائبًا أو انقطعت أخباره، فقد تعبر الرؤيا عن الاشتياق إليه، دون أن يُبنى عليها شيء عن حاله. وكذلك إذا فارق الدنيا فيُحمل الحلم على ما في قلب الرائي من ذكرى وحنين لا غير. والعبرة بمجمل المشهد.
وإذا كانت الرائية عزباء، فقد يشير كلام الأب إلى حاجتها إلى مشورته في شأن من شؤونها، أو إلى إحساسها بالأمان والاعتماد عليه. وقد يعبر عن توجيه تتلقاه في دراسة أو عمل أو اختيار شريك الحياة. ويحسن بها أن تتحاور مع أهلها بصراحة. فالحلم لا يقوم مقام الحوار الحقيقي. وأن تأخذ بالنصح السليم الذي ترتاح له نفسها.
أما المتزوجة فقد يدل المشهد على حنين إلى بيت أهلها، أو على حاجة إلى سند في أمر من أمور أسرتها، أو على استحضار نصيحة قديمة تعينها اليوم. وإن كانت حاملًا فقد يعبر الحلم عن رغبتها في أن تطمئن بكلمة من أب أو كبير في هذه المرحلة. ولتراجع الطبيب في كل ما يتعلق بصحتها وصحة جنينها، فالرؤيا ليست نصيحة طبية. ومن الجيد أن تتواصل مع أهلها وتستأنس بقربهم.
وبالنسبة للرجل، قد يشير كلام الأب إلى مسؤوليات يحملها وتأثير القدوة في تفكيره وقراراته. وقد يدل على استرجاع نصيحة قديمة في عمل أو علاقة أو تربية للأولاد. ويحسن به أن يستحضر الجانب النافع من تلك التجارب وألا يقيد نفسه بها حيث تختلف الظروف. فلكل زمن ظروفه، والاستفادة من الخبرة لا تعني تكرارها حرفيًّا. ويستمر في الاعتناء بوالده إن كان حيًّا بالبر والزيارة.
وفي التفاصيل الدقيقة يُنظر إلى هيئة الأب وصحته في الحلم وإلى مكان الكلام، أهو في البيت القديم أم في مكان غريب. فالبيت المألوف ينبئ بالانتماء والجذور، والمكان الغريب ينبئ بتغيير يقترب. ويُنظر إلى وضوح الكلام، فالوضوح علامة على وضوح التوجيه المطلوب. وإلى ما شعر به الرائي، فالراحة أقرب إلى المعاني المحمودة. وكل ذلك قرائن تقريبية لا جزم فيها.
ومن الجانب العملي والنفسي، فإن حضور الأب في الأحلام كثيرًا ما يرتبط بمرحلة اتخاذ قرارات أو شعور بالمسؤولية أو اشتياق. ويفيد أن يسأل الرائي نفسه عن النصيحة التي يحتاج إليها الآن، وعمن يستطيع استشارته من أهل الخبرة. وقد يكون من المناسب أن يبادر إلى كلمة طيبة لوالده إن كان حاضرًا. وإذا أحس بألم أو ضعف أو انسداد حقيقي في الأذن فليراجع الطبيب. وليأخذ الحلم باعتباره تأملًا لا قرارًا.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يخطئ وقد يصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه جزم بشأن أحد. والغيب لا يعلمه إلا الله. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله أن يجعل ما رآه خيرًا، وأن يحفظ له أهله ويبارك له في أحبابه. ثم يمضي في حياته بقلب مطمئن. والله تعالى أعلم.
