قد يرى الإنسان في منامه أنه يسمع اسمه ينادى من بعيد، بصوت مألوف أو غير مألوف، فيلتفت يبحث عن مصدره ويستيقظ وفي نفسه تساؤل. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فالنداء فيها لا يعني أن أحدًا ينادي فعلًا، وإنما هو صورة لمعنى الدعوة إلى الانتباه أو الحضور أو التواصل. ويتوقف المعنى على صاحب الصوت ونبرته وشعور الرائي. ولا يصح أن يُبنى على الحلم جزم بشيء. فالأولى أن يفسر النداء بما يخطر على الإنسان من أمور وعلاقات في يقظته.
الأذن ترمز إلى الإصغاء وتلقي الكلام والأخبار والنصيحة والانتباه لما يقال، والاسم يرمز إلى الذات والهوية والمكانة بين الناس، والبعد يرمز إلى المسافة أو التأجيل أو الانتظار. فسماع الاسم من بعيد يدل غالبًا على أن أمرًا يخص الرائي يطلب انتباهه، أو على شخص يفتقده أو يذكره، أو على رغبة في أن يُنظر إليه. وقد يعبر عن شعور بأن أحدهم يحتاج إليه، أو عن اشتياقه لمن ابتعد. وقد يكون صدى لمسؤولية مؤجلة. وهذا فهم عام لا يقطع بشيء محدد.
نُسب إلى ابن سيرين أن المناداة في المنام تُحمل في الجملة على دعوة إلى أمر أو خبر أو مسؤولية، وأن نداء الشخص باسمه يتعلق بما يخصه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الاسم المنادى قد يشير إلى ذكر الرائي بين الناس أو إلى استدعائه لأمر. وتختلف الآراء في التفاصيل بحسب صاحب الصوت وحال الرائي، وتُفسر الأصوات في كل ذلك رموزًا للأخبار والكلام لا غير. وهذه الصورة بخصوصها أقل تناولًا في الكتب القديمة بصيغة مفصلة، فلا يوجد نص قاطع. ولذلك يبقى الاجتهاد فيها ظنيًّا.
يؤثر السياق في الفهم تأثيرًا كبيرًا، فإذا كان الصوت مألوفًا ودودًا، فالأقرب أن يدل على اهتمام من أحد المقربين أو شوق إليه. وإذا كان غير مألوف، فقد يعبر عن أمر جديد يطلب الرائي أو يستدعي انتباهه. وإذا كان النداء ملحًّا مرتبكًا، فقد يعبر عن استعجال أمر مؤجل. وإذا كان هادئًا بعيدًا، فقد يعبر عن ذكرى أو حنين. وللمكان أثر، فالنداء في الجبل أو الطريق الطويل يعبر عن مسافة وانتظار. والعبرة بمجمل المشهد.
وإذا كانت الرائية عزباء، فقد يشير سماع اسمها من بعيد إلى اهتمام يصلها من أحد، أو إلى فرصة تنتظر انتباهها، أو إلى شعور بالحاجة إلى أن يُلتفت إليها. ويحسن بها أن تتواصل مع من تفتقدهم، وأن تنتبه للفرص المحيطة بها بروية. وألا تعلق الحلم بشخص بعينه أو بقدر معين. فالاهتمام الحقيقي يظهر في الأفعال. وأن تستشير أهلها في الأمور المهمة.
أما المتزوجة فقد يدل المشهد على مسؤوليات تناديها في البيت، أو على اشتياق لأهلها، أو على شعور بأنها تحتاج إلى من يلتفت إليها. وإن كانت حاملًا فقد تكون الأحلام عن النداء والترقب أكثر، لانشغالها بالمولود المنتظر، فلا يُحمل ذلك على أمر مخيف. ولتراجع الطبيب في كل ما يخص صحتها وحملها، فالرؤيا ليست نصيحة طبية. وتحرص على الهدوء وصلة الأهل.
وبالنسبة للرجل، قد يشير سماع اسمه من بعيد إلى عمل أو التزام أو مسؤولية تنتظره، أو إلى سمعة تتردد، أو إلى صديق قديم يفتقده. ويحسن به أن يراجع التزاماته ومواعيده، وأن يتواصل مع من انقطع عنه. وأن يكون حاضرًا لمن يحتاج إليه. وألا يتخذ من الحلم أساسًا لقرار. وهذه نصائح عامة لا تتضمن اتهام أحد.
وفي التفاصيل الدقيقة يُنظر إلى عدد مرات النداء، وإلى صوت المنادي، أهو رجل أم امرأة أم طفل، وإلى هل استجاب الرائي أم لم يستطع، وإلى المسافة وإلى هل اقترب الصوت أم ابتعد. فاقتراب الصوت قد يدل على اقتراب أمر، وابتعاده على فوات انتباه. وإلى هل عرف الرائي صاحب الصوت. وكل ذلك قرائن تقريبية لا جزم فيها، وتختلف بحسب الظروف.
ومن الجانب العملي والنفسي، فإن الحلم قد يعكس شعور الرائي بأن شيئًا ما ينتظر انتباهه، أو حاجته إلى أن يُرى ويُسمع، أو صوتًا حقيقيًّا سمعه أثناء النوم فدخل في الحلم. ويفيد أن يراجع الرائي أمورًا يؤجلها ويتصل بمن يشتاق إليهم، وأن يعبر عما يحتاجه من اهتمام. وإذا أحس بألم أو ضعف أو انسداد حقيقي في الأذن فليراجع الطبيب، فالحلم ليس نصيحة طبية. وليرفق بنفسه.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، والأصوات في الأحلام رموز لا غير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يجزم أحد بمن ينادي أو بما يراد. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يوفقه لما فيه صلاح أمره ويصرف عنه كل ضر. ثم يمضي في يومه مطمئنًا. والله تعالى أعلم.
