قد يرى الإنسان في منامه أنه يسمع صوت مذياع أو راديو يبث كلامًا أو موسيقى أو أخبارًا، فيستيقظ متسائلًا عما يعنيه ذلك الصوت القادم من بعيد. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فالراديو فيها صورة لكلام يصل من الخارج دون أن يكون موجهًا إلى الرائي بعينه. ويتوقف المعنى على ما يُذاع وعلى وضوح الصوت وشعور الرائي. ولا يصح أن يُبنى على الحلم جزم بشيء أو أن يُنتظر حدث بعينه. فالأولى أن يتأمله بهدوء ويربطه بما يسمعه ويتابعه في يومه.
الأذن ترمز إلى الإصغاء وتلقي الكلام والأخبار والنصيحة والانتباه لما يقال، والراديو وسيلة تبث الكلام للعامة، فيرمز إلى الأخبار العامة والكلام المتداول والمعلومات التي تأتي من خارج الدائرة الخاصة. فسماعه قد يدل على اهتمام الرائي بما يجري حوله من أحداث، أو على كلام يتناقله الناس يصل إليه، أو على رغبة في الأنس بصوت في وقت وحدة. وقد يعبر كذلك عن انشغال بأخبار لا يملك تغييرها. وهذا فهم عام لا يقطع بشيء محدد.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأخبار التي تُسمع من منادٍ أو من صوت عام في المنام تُحمل على ما يشيع بين الناس من أخبار وأحوال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأصوات العامة تدل على أمور تنتشر وتبلغ الناس. وبما أن الراديو وسيلة مستجدة، فإن رمزه بخصوصه أقل تناولًا في الكتب القديمة، ويُقاس على المنادي والخبر العام. وتختلف الآراء في ذلك، فلا يوجد نص قاطع يُعتمد عليه. ولذلك يظل الاجتهاد فيه ظنيًّا.
يؤثر السياق تأثيرًا كبيرًا، فإذا كان الراديو يذيع كلامًا هادئًا مفيدًا فالأقرب أن يدل على معلومات نافعة أو أنس. وإذا كان يذيع أخبارًا مضطربة فقد يعبر عن قلق من أحداث عامة أو كثرة تلقي الأخبار. وإذا كان الصوت مشوشًا متقطعًا، فقد يشير إلى معلومات غير واضحة أو إلى ضجيج في ذهن الرائي. وإذا كان يذيع ما يطرب فيميل المعنى إلى الأنس والراحة. والعبرة بمجمل المشهد.
وإذا كانت الرائية عزباء، فقد يشير سماع الراديو إلى كلام عام يدور حولها أو إلى انشغالها بما يجري في محيطها، أو إلى حاجتها إلى أنس في وحدة. ويحسن بها أن تتخير ما تتلقاه من أخبار ومعلومات، وألا تدع كثرة المتابعة تثقل نفسها. وأن تخصص وقتًا لما ينفعها من قراءة وتعلم. وألا تبني قراراتها على كلام عام. فالتخير في الاستماع نعمة.
أما المتزوجة فقد يدل المشهد على انشغالها بأخبار الناس أو الأسرة الواسعة، أو على أنس تبحث عنه وسط أعمال البيت. وإن كانت حاملًا فكثيرًا ما تتأثر بما تسمع من تجارب الآخرين ونصائحهم، فتختلط عليها الأصوات. ولتأخذ بتوجيه طبيبها المختص، فالرؤيا ليست نصيحة طبية ولا تغني عن الفحص. وتتخير المصادر الموثوقة وتحافظ على هدوئها.
وبالنسبة للرجل، قد يشير الراديو إلى متابعة الأخبار العامة أو الاقتصادية، أو إلى معلومات تتعلق بعمله تصل من جهات واسعة، أو إلى كلام شائع بين الناس. ويحسن به أن يتحقق من المصادر قبل أن يبني عليها قراراته، وأن يتجنب الإفراط في متابعة ما يرهقه. وأن يخصص وقتًا للراحة بعيدًا عن الأخبار. وهذه نصائح عامة لا اتهام فيها لأحد. وأن يوازن بين الاطلاع والعمل.
وفي التفاصيل الدقيقة يُنظر إلى نوع المحتوى المسموع، أهو أخبار أم برنامج أم كلام عابر، وإلى وضوح الصوت وجودته، وإلى هل كان المذياع قريبًا أم بعيدًا. فالوضوح أدل على وضوح المعلومة، والتشويش أدل على اضطراب. وإلى من كان يسمع معه الرائي. وكل ذلك قرائن تقريبية لا جزم فيها، وقد تختلف دلالتها من شخص إلى آخر.
ومن الجانب العملي والنفسي، فإن الراديو في الحلم كثيرًا ما يكون انعكاسًا لصوت حقيقي في المنزل أو لعادة الاستماع اليومية، أو لإحساس بالحاجة إلى رفقة صوتية. ويفيد أن ينظم الرائي ما يتلقاه من أخبار، وأن يضع حدًّا زمنيًّا لمتابعتها، وأن يستبدل بجزء منها نشاطًا مفيدًا. وإذا أحس بألم أو ضعف أو انسداد حقيقي في الأذن فليراجع الطبيب، فالحلم ليس نصيحة طبية. وليحرص على بيئة نوم هادئة.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يجزم أحد بما ستحمله الأخبار القادمة. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه سماع ما ينفع ويصرف عنه كل ضر. ثم يمضي في يومه مطمئنًا. والله تعالى أعلم.
