قد يرى الإنسان في منامه أنه في مكان يسوده صمت تام، ويحاول أن يسمع فلا يسمع شيئًا سوى السكون، فيستيقظ وفي نفسه إحساس غريب. وهذه الرؤيا رمزية وليست حرفية، فالصمت فيها ليس نقصًا في السمع، وإنما صورة لحالة معنوية. ويختلف معناه بحسب ما إذا كان الصمت مريحًا أو مقلقًا، وبحسب المكان وحال الرائي. ولا يصح أن يُبنى على الحلم جزم بأمر ما. فالأولى أن يتأمله الرائي بهدوء وينظر إلى ما يمر به.
الأذن ترمز إلى الإصغاء وتلقي الكلام والأخبار والنصيحة والانتباه لما يقال، والصمت يرمز إلى السكينة أو إلى غياب الأخبار والانتظار أو إلى تأمل داخلي. فإذا اجتمع الإصغاء والصمت دل ذلك غالبًا على حال ترقب لا شيء فيها يُسمع، أو على راحة من الضجيج، أو على فترة هدوء قبل قرار. وقد يعبر أيضًا عن شعور بالعزلة أو عن حاجة إلى الابتعاد عن الكلام الكثير. وهذا فهم عام يحتمل أكثر من وجه.
نُسب إلى ابن سيرين أن السكون والهدوء في المنام قد يُحمل على الطمأنينة إذا كان مريحًا، وعلى الركود أو انقطاع الأخبار إذا كان موحشًا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن غياب الأصوات يختلف معناه بحسب المكان والحال. وتختلف الآراء في التفاصيل. وسماع الصمت بخصوصه من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، فلا يوجد نص قاطع يُعتمد عليه. ولذلك يبقى الاجتهاد فيه ظنيًّا وعامًّا.
يؤثر السياق في الفهم تأثيرًا كبيرًا، فالصمت في مكان جميل كحديقة أو شاطئ يعبر عن سكينة وراحة. والصمت في مكان مهجور أو مظلم قد يعبر عن وحدة أو ترقب أو انقطاع تواصل. وإذا كان الرائي ينتظر خبرًا في يقظته فقد يكون الحلم صدى لانتظاره. وإذا كان متعبًا من الضجيج فقد يعكس رغبته في الهدوء. والمشهد في مجمله هو المعتمد.
وإذا كانت الرائية عزباء، فقد يدل الصمت على فترة تأمل وهدوء في حياتها، أو انتظار لجواب في أمر ما، أو رغبة في التخفف من ضوضاء المحيط. ويحسن بها أن تستثمر السكينة في ترتيب أولوياتها، وألا تقلق من تأخر الأخبار. وأن تتحدث مع من تثق به إن ثقل عليها الانتظار. فالصبر الجميل أنفع من الاستعجال، وما كان مقدرًا سيأتي في وقته. والله أعلم بما يخبئه الزمن، ولذلك يحسن أن تشغل نفسها بما ينفعها.
أما المتزوجة فقد يدل المشهد على حاجتها إلى هدوء بعد انشغال البيت والأولاد، أو على إحساس بقلة الكلام بينها وبين من حولها، أو على انتظار خبر. وإن كانت حاملًا فقد تميل إلى الأحلام الساكنة بسبب حاجتها إلى الراحة، فلا يُحمل ذلك على ما يقلق. ولتراجع الطبيب في كل ما يتعلق بصحتها، فالرؤيا ليست نصيحة طبية. وتحاول أن تخصص ساعة هادئة لنفسها. ففي الهدوء المنظم عون على صفاء الذهن وتجديد النشاط، وهو من أبسط ما يخفف أثر التعب.
وبالنسبة للرجل، قد يشير الصمت إلى مرحلة تأمل قبل قرار، أو انتظار رد في عمل أو معاملة، أو حاجة إلى الابتعاد عن الصخب. وقد يعبر عن صمت علاقة طال أمده ويحتاج إلى كلمة تكسره. ويحسن به أن يبادر بالتواصل مع من انقطع عنه. وألا يفسر الصمت على أنه سوء. فقد يكون مجرد انشغال. وفي كثير من الأحيان تزول الوحشة بكلمة طيبة أو رسالة قصيرة تبدد الظنون.
وفي التفاصيل الدقيقة يُنظر إلى شعور الرائي أثناء الصمت، أهو راحة أم ضيق. وإلى هل كان هناك ما يُنتظر سماعه. وإلى طول الصمت وانقطاعه بصوت مفاجئ، فالصوت الذي يقطع الصمت قد يدل على خبر يأتي بعد انتظار. وإلى ما إذا كان الرائي وحده أم مع غيره. وكل ذلك قرائن تقريبية لا جزم فيها. وقد يحمل المشهد الواحد أكثر من دلالة بحسب حال صاحبه وما يمر به من أيام.
ومن الجانب العملي والنفسي، فإن الصمت في المنام كثيرًا ما يعكس إرهاقًا من الضجيج أو حاجة إلى خلوة أو قلقًا من انقطاع تواصل. ويفيد أن ينظم الرائي وقتًا للهدوء، وأن يقلل من الضجيج والشاشات قبل النوم. وأن يبادر بالسؤال عمن غاب عنه. وإذا أحس بألم أو ضعف أو انسداد حقيقي في الأذن أو بطنين مستمر فليراجع الطبيب، فالحلم ليس نصيحة طبية. وليكن رفيقًا بنفسه.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يجزم أحد بما وراء الصمت من أخبار. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه السكينة والطمأنينة. ثم يمضي في يومه صابرًا متفائلًا. والله تعالى أعلم.
