قد يرى الإنسان في منامه بيضاً مصبوغاً بألوان زاهية، أحمر وأخضر وأصفر وأزرق، موضوعاً في سلة أو على مائدة أو في أيدي الصغار. وهو مشهد بهيج يرتبط عند كثير من الناس بالمناسبات السعيدة والتزيين، وإن اختلفت العادات من بلد إلى آخر. وقد يكون الحلم ببساطة صدى لصورة أو حديث عن مناسبة، فلا يحمل رسالة. وإذا رغب الحالم في التأمل الرمزي فلنذكّره بأن التأويل ظني واجتهادي لا يقطع بشيء.
واللون في الأحلام يضيف بعداً جديداً إلى معنى الرمز، فهو يعبّر عن المزاج والحال النفسية والتنوع. فالبيضة العادية تمثل البدايات الكامنة، أما الملونة فتمثل بدايات مزينة بالفرح أو بالرغبة في الإظهار والتجميل. وقد يُقرأ الحلم على أنه إشارة إلى أن في حياة الرائي جوانب جميلة تحتاج إلى الاحتفاء بها، أو إلى رغبته في تزيين أمر بسيط بلمسة إبداعية. كما قد يعبّر عن تعدد الاهتمامات وتنوعها. وهذه كلها تأملات عامة قابلة للاختلاف.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتناقله الناس، أن للألوان في الرؤيا دلالات متعددة بحسب كل لون، وأن البيض عموماً يرتبط بالمنفعة اليسيرة والأمر المستور. وذهب بعض المفسرين إلى أن الألوان الزاهية تميل إلى الفرح وإلى حسن الحال إذا كانت صافية. ولكن تفاصيل دلالات الألوان عند المفسرين مما كثر فيه الخلاف، وتباينت فيه الأقوال تبايناً كبيراً. ولذلك لا نذكر لكل لون معنى قاطعاً، بل نكتفي بالقول إن الألوان الصافية أقرب إلى الراحة من الكدرة.
ويتغير المعنى بحسب جودة اللون وطريقته. فإن كانت الألوان زاهية متناسقة فهي توحي بالانسجام والبهجة، وإن كانت باهتة أو متداخلة فقد توحي بالتشتت. وإن كان الحالم هو من يلوّن البيض بنفسه فقد يعبّر عن لمسته الإبداعية وحرصه على إسعاد غيره. وإن وجده ملوناً جاهزاً فقد يعبّر عن تقبله ما يأتيه. وإن كانت الصبغة تلطخ يديه وثيابه فقد توحي بأن في الأمر جهداً وتعباً يرافق الفرح. وشعور الحالم هو الدليل الأهم.
وللمرأة المتزوجة قد يعبّر الحلم عن اهتمامها بإضفاء الجو المبهج على بيتها وأسرتها، خاصة في المناسبات. وللفتاة العزباء قد يعبّر عن حب التجديد والتزين والتفاؤل. وللرجل قد يرمز إلى رغبته في إدخال البهجة على أهله أو في تطوير عمله بلمسة جديدة. وللمعلم أو من يعمل مع الأطفال قد يعكس حضور الصغار في عمله. وهذه كلها قراءات احتمالية لا أكثر، وقد لا ينطبق أي منها.
ومن الدقائق أن ينتبه الحالم للون السائد: فبعض الناس يميل إلى قراءة اللون الأخضر على أنه هادئ ومريح، والأحمر على أنه حيوي، والأصفر على أنه مشرق، والأزرق على أنه ساكن، غير أن هذه قراءات شخصية أكثر منها قواعد. فكل إنسان يربط الألوان بتجاربه وذكرياته. ولو كان اللون الغالب مما يحبه الحالم فقد يعكس ذلك ميله للراحة. فالأولى أن يسأل نفسه عمّا يعنيه كل لون له، بدل الاعتماد على جدول جاهز.
وهناك بعد اجتماعي في البيض الملون، فهو يرتبط في كثير من البيئات باجتماع الأسرة والأطفال وتبادل الهدايا الصغيرة. ولذلك قد يشير الحلم إلى حنين لأجواء جماعية دافئة، أو إلى رغبة في لمّ الشمل. ومن الجميل أن يترجم الإنسان هذا الشعور إلى زيارة قريب أو اتصال بصديق قديم أو مبادرة بكلمة طيبة. وهذا أنفع من الانشغال بتفسير الحلم، وهو من صلة الأرحام التي يحبها الصالحون.
ومن الجانب النفسي، قد يعبر البيض الملون عن حاجة الإنسان إلى الفرح والبهجة وسط روتين رتيب، وإلى لمسة جمال تخفف من وطأة اليوم. وقد يكون دعوة لطيفة إلى تلوين حياته بأعمال صغيرة ممتعة ومفيدة كهواية أو نزهة أو لقاء. وقد يذكّره أيضاً بأن الجمال لا يلغي الهشاشة، فالبيضة الملونة هشة كغيرها، ولذلك يلزم الرفق في الاحتفاء. والتوازن بين الفرح والاعتدال هو الأقرب للسكينة.
وقد يتساءل بعضهم عما إذا كان في تعدد الألوان معنى يتعلق بتعدد الأشخاص أو المناسبات في حياة الحالم. وليس لذلك أصل ثابت، لكن من الجائز أن تشير الألوان المتعددة إلى تنوع من حوله من أهل وأصدقاء وزملاء، ولكل منهم لونه وطبعه. وإذا اجتمعت هذه الألوان في سلة واحدة فقد تعكس رغبة في أن يجتمع الناس على مودة. وهذا معنى جميل يدعو إلى حسن التعامل مع المختلفين، ويذكّر بأن التنوع ثراء لا نقص.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا ينبغي أن يكون أساساً لأي قرار في الواقع. وأحسن ما يفعله المسلم أن يقابل رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله والشكر على النعم. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما نذكره محض تأمل في رموز محتملة. والله أعلم.
