قد يرى الإنسان في منامه أنه يكسر بيضة فيجد فيها صفارين متجاورين بدل صفار واحد، فيندهش من هذه المفاجأة اللطيفة. وهذا المشهد يحدث نادراً في الواقع، ولذلك يعلق في الذاكرة حين يظهر في الحلم. وهو من الصور التي يميل الناس إلى تفسيرها بشيء من التفاؤل، لكن ينبغي الاحتراز من الجزم. فكل ما يُقال هنا قراءة رمزية احتمالية لا تدل على أمر معين، ولا تغني عن النظر في حال الرائي.
الصفار هو لب البيضة وجوهرها، وحين يتعدد في بيضة واحدة فإن الصورة تنقل معنى الازدواج داخل إطار واحد. وقد يُقرأ ذلك على أنه أمر واحد يحمل وجهين أو فرصتين، أو شيء بسيط في ظاهره يخبئ أكثر مما يبدو. وقد يعبّر عن شعور بالوفرة غير المتوقعة، أو بأن في الشيء الواحد ثراءً لم يكن ظاهراً. ولكنه يحتمل كذلك معنى التشتت بين أمرين داخل مسألة واحدة، فتختلف القراءة بحسب مشاعر الرائي.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن الأشياء المزدوجة في المنام قد تدل على ضعف الشيء المرئي أو على اجتماع أمرين بحسب حال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الزيادة في المنام قد تُحمل على الخير إذا كانت في شيء نافع، وعلى غير ذلك إن كانت في شيء مكروه. وربط بعض المفسرين الصفار بالمال والجوهر، فيكون ازدواجه عندهم إشارة إلى زيادة محتملة في أمر. وقد اختلفوا كثيراً، فلا يصح الاعتماد على قول بعينه.
ويتغير المعنى بحسب حال الصفارين: فإن كانا متماسكين لامعين فهما أقرب إلى معنى النماء الصحي، وإن كانا ملتصقين بشكل غير منتظم فربما دل ذلك على تداخل أمور تحتاج إلى تمييز. وبحسب حال البيضة، سليمة كانت أم مشققة. وللمشاعر أثر واضح، فمن فرح بالمفاجأة فالقراءة تميل إلى البشرى الرمزية، ومن استغرب بحذر فقد تميل إلى التأمل. ولا يلزم من الفرح أو الحذر شيء في الواقع.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن شعور بتعدد الخيارات أمامها، كخيارين في دراسة أو عمل، وقد يوحي بأن في ما بين يديها أكثر مما تتصور. ومن الحكمة أن تتأنى في الاختيار وتستشير أهل الخبرة. وهذا استئناس نفسي لا يدل على حدث.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط الحلم بالعناية بجانبين في حياتها، كالبيت والعمل، أو الأسرة والصلات الاجتماعية، وبالرغبة في الموازنة بينهما. وقد يرى بعضهم فيه رمزاً لخير مضاعف يأتي من أمر بسيط. ومن المناسب أن تقابل ذلك بالشكر والتدبير. وليس في المنام ما يلزم بتوقع محدد.
وللرجل أو التاجر قد يشير المشهد إلى مشروع بمسارين أو إلى صفقة فيها عنصران، وإلى الحاجة إلى تدقيق كل جانب منهما. وقد يعبّر عن وجود فرصة إضافية مخبوءة داخل فرصة ظاهرة. فالحذر والمراجعة مطلوبان لئلا يختلط الأمر. وليس في الحلم حكم على ربح أو خسارة.
وللحامل قد يرتبط المشهد بغرابة الصور التي تمر على الذهن في تلك الفترة وبحب الاستطلاع، فلا يُحمّل معنى يخص حملها بأي شكل. وهو في الأصل مشهد طعام نادر يلفت النظر. وتنفعها استشارة الطبيبة في ما يخص صحتها وغذائها. والأحلام لا تغني عن الطب.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل الصفاران متساويان أم أحدهما أكبر، وهل بينهما بياض فاصل، وهل أُعجب الرائي بالمفاجأة أم رأى فيها شيئاً غير طبيعي. فالتساوي قد يوحي بتوازن بين أمرين، وأحدهما الأكبر قد يوحي بأن أحد الجانبين أرجح. وإن رأى فيها شيئاً غير طبيعي فربما كان ذلك أقرب إلى الحذر من الزيادات الغريبة. وهذه كلها قراءات ظنية.
وفي الجانب العملي والنفسي، يدعو الحلم إلى الانتباه إلى ما قد يكون عندنا من فرص ومزايا لم ننتبه لها، وإلى أن البساطة قد تخبئ ثراءً. كما يدعو إلى التأني في الموازنة بين أمرين يطلبان وقتنا وجهدنا. ويمكن للرائي أن يعدّ ما عنده من نعم صغيرة ويشكرها، وأن يضع خطة متوازنة لما يسعى إليه. وليكن دعاؤه بالبركة في القليل والكثير.
ومن المعاني التي قد تخطر عند رؤية الصفارين أن بعض الأمور في الحياة لا تأتي مفردة، فالعمل الواحد قد يفتح بابين، والعلاقة الواحدة قد تحمل لونين من المشاعر. وقد يكون في الحلم دعوة إلى تقبل هذه الثنائية دون محاولة اختزال الأمر في وجه واحد. فمن تعلّم أن يرى الوجهين في الأمر الواحد صار أقدر على اتخاذ قرار متوازن. وبهذا يتحول المشهد الغريب إلى تدريب لطيف على النظرة المركبة.
ويحسن بالرائي ألا يتعلق بالغرابة نفسها، فالنادر لا يعني بالضرورة أنه مبشر ولا أنه منذر، وإنما هو لافت للنظر فقط. وقد يكون مصدر الصورة حديثاً سمعه عن بيض نادر أو مشهداً رآه في برنامج أو مقطع. والأحلام تلتقط هذه الشظايا وتعيد تركيبها في صور جديدة. فالأولى أن يأخذ منها الابتسامة والتأمل ويترك الباقي لعلم الله.
وفي الختام، فإن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يخطئ المفسر فيه ويصيب، ولا يصح أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. والأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله. وما يأتي به الغد من علم الله وحده. والله أعلم.
