يرى بعض الناس في منامهم طبقاً مصفوفاً من البيض، سواء كان طبق كرتون من النوع الذي يُباع في المتاجر أو طبقاً يُقدَّم على المائدة وعليه بيض مرتب. وهذه الصورة تدخل في الأحلام من حياتنا اليومية، فمعظم الناس يمرّون على صواني البيض في المتاجر والبيوت. وقد تكون صورة عابرة دون مغزى. وإن أراد المرء تأملها رمزياً فليتذكر أن التأويل اجتهادي ظني، وأن الحلم لا يعدّ إخباراً بما سيحدث.
وما يميز طبق البيض أنه ينظّم عدداً من البيضات الهشة في حيز واحد، لكل بيضة موضعها الخاص. ولهذا قد يُنظر إليه رمزاً للتنظيم والترتيب وحفظ الأشياء الحساسة في أماكنها. وقد يعبّر عن حياة أو مشاريع متعددة يحاول الإنسان أن يضع لكل منها حيّزاً. كما يوحي بالتدبير والحفظ والحرص على الأشياء الصغيرة. ويمكن أن يوحي كذلك بفكرة التعداد والحساب، إذ تظهر البيضات صفاً بعد صف قابلة للعدّ. وهذه معانٍ عامة لا تُلزم أحداً.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتناقله الناس عنه، أن الأوعية في الرؤيا قد ترمز إلى ما يحفظ الشيء ويصونه، وأن البيض يرتبط بالمال اليسير أو بالأمر المستور. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما تُصان به الأشياء قد يدل على الادخار والتدبير. ولكن ليس لدينا في كلام المتقدمين تخصيص لطبق البيض الكرتوني الحديث، فنحن نقيس هنا على أصول عامة، والقياس في الأحلام ظني دائماً. فهذه إشارات للتأمل لا غير.
ويتغير المعنى بحسب حال الطبق. فإن كان ممتلئاً بالبيض السليم فهو يوحي بالاكتمال والتنظيم، وإن كان ناقصاً فيه فراغات فقد يوحي بأن في الأمر نقصاً أو بأن بعض الأمور استُهلكت. وإن كان بعض البيض فيه مكسوراً فقد يوحي بأن في ما ينظمه الحالم أمراً يحتاج إلى فحص. وإن كان الطبق نظيفاً مرتباً فهو أقرب إلى الراحة، وإن كان متسخاً مبعثراً فقد يوحي بالفوضى. وكذلك عدد الخانات، ففي الأطباق المعروفة عدد مألوف، لكن تأويل العدد لا يُعتمد لأنه يختلف باختلاف البيئات.
وللمرأة المتزوجة قد يكون الحلم انعكاساً لتنظيمها مشتريات البيت ومؤنته، وهو قريب جداً من الواقع. وللفتاة العزباء قد يعبّر عن رغبتها في ترتيب أفكارها وأهدافها المتعددة. وللرجل قد يدل على تنظيم عدة التزامات صغيرة معاً. وللتاجر قد يعكس ما يتعلق ببضاعته وتخزينها وعرضها. وللموظف قد يرمز إلى ترتيب مهامه بصفوف منتظمة. وهذه كلها قراءات احتمالية لا ينبغي أن تتحول إلى توقعات.
ومن الدقائق التي يلتفت إليها بعضهم: أين يوجد الطبق؟ فإن كان في الثلاجة فقد يوحي بالحفظ والتأجيل، وإن كان على المائدة فبالاستعداد للانتفاع، وإن كان في السوق فبالتبادل. وإن كان الحالم يحمل الطبق بين يديه فقد يوحي بمسؤوليته المباشرة، وإن كان موضوعاً أمامه فبالانتظار. وإن ناوله أحد له فقد يوحي بعون من الآخرين. وهذه الجزئيات من باب الاستئناس، وهي أقرب إلى خواطر الحالم الخاصة.
ومما يلفت الانتباه أن الطبق يحمي البيض من التدحرج والاصطدام، فكأنه يذكّر بأن النظام نفسه نوع من الحماية. فالإنسان الذي يرتب وقته وماله وأولوياته يحمي نفسه من الضياع والارتباك. وهذه حكمة عملية قديمة معروفة، وهي مما يتفق عليه الناس في كل بيئة. فلو أخذ الحالم من الحلم هذا المعنى وبدأ بترتيب شيء صغير في حياته لكان ذلك ثمرة طيبة منه.
ومن الجانب النفسي، قد يعبّر الحلم عن رغبة في السيطرة اللطيفة على الأمور وفي الشعور بالنظام، وقد يشير إلى أن الحالم يمر بفترة من الازدحام تدعوه إلى التصنيف والترتيب. وقد يكون دافعاً لتنظيم بيئته من حوله، كمكتبه أو غرفته أو جدوله اليومي. فالنظام الخارجي كثيراً ما يساعد على صفاء الذهن. وفي الوقت نفسه ينبغي ألا يتحول الحرص على الترتيب إلى قلق مفرط، فالمطلوب هو الاعتدال والتوكل على الله.
ويحسن أن نذكر أن طبق البيض في بعض الثقافات رمز للضيافة والكرم حين يوضع على مائدة الضيوف، فإذا رآه الحالم على مائدة عامرة قد يستحضر معنى الجود وحسن الاستقبال. وإذا رآه في بيت فقير بسيط فقد يستحضر معنى القناعة والبركة في القليل. وهذه معانٍ ثقافية وأخلاقية أكثر منها تفسيرات غيبية، وفيها دعوة لطيفة إلى الشكر على ما رزقنا الله من طعام يُشبع وبيت يستر.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في الواقع. والأفضل أن يقابل المسلم رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله والأخذ بالأسباب. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذُكر هنا مجرد تأمل في رموز محتملة. والله أعلم.
