قد يرى النائم في منامه بياض بيضة، سائلاً شفافاً يتحول إلى لون ناصع، أو طبقة بيضاء ملساء تحيط بشيء داخلها، أو بياضاً مخفوقاً كالرغوة. وهذا من المشاهد الهادئة التي لا تحمل حركة كبيرة، لكنها قد تترك في النفس انطباعاً بالنقاء. وما يُقال في تأويلها قراءة رمزية احتمالية لا يُجزم بها، ولا يُراد بها الإخبار عن واقع. ويحسن أن يتناولها القارئ بروح التأمل والهدوء.
البياض في الرموز يرتبط عند كثيرين بالصفاء والنقاء والستر والبدايات التي لم تتلون بعد. وبياض البيض بوجه خاص هو الطبقة التي تحيط بالصفار وتحميه وتغذيه، فهو في المعنى الرمزي القريب غلاف لطيف حامٍ. وقد يعبّر عند بعضهم عن مرحلة لم تتضح فيها ملامح الأمر بعد، فكل ما فيها شفاف رقيق مبهم. وكأنه الصفحة البيضاء التي يبدأ منها شيء جديد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن البياض قد يدل في كثير من السياقات على الصفاء والخير بحسب ما يقترن به. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الألوان تُقرأ بحسب حال الرائي ونوع المرئي. وقال بعض المفسرين إن أخذ الأبيض من الطعام قد يدل على رزق هين لين. وقد اختلفوا في ذلك اختلافاً بيناً، فتبقى أقوالهم من الاستئناس لا القطع.
ويتغير المعنى بحسب حال البياض: فإن كان رائقاً شفافاً فهو أقرب إلى الوضوح الذي لم يكتمل، وإن كان ناصعاً متماسكاً فهو أقرب إلى الاستقرار والنقاء، وإن كان مخفوقاً رغوة فهو أقرب إلى الخفة واللعب أو الاحتفال. وبحسب مكانه، أهو في وعاء أم على سطح أم في يد الرائي. وللشعور أثره، فمن ارتاح لمنظره فالأمر أميل إلى الطمأنينة، ومن تضايق من لزوجته فقد يرمز ذلك إلى ضيق من أمر عالق.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر بياض البيض عن رغبتها في بداية نقية، أو عن مرحلة من حياتها لم تُكتب ملامحها بعد. وقد يرمز إلى شعورها بالصفاء مع نفسها، أو إلى حاجتها إلى مساحة بيضاء تتخذ فيها قراراتها دون ضغوط. ومن المفيد أن تحتفظ بهدوئها وتتأنى. وليس في المنام ما يدل على واقعة بعينها.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط البياض بنقاء النية في البيت وحسن العشرة، وبحسن الستر على الأسرة وعدم إشاعة ما يخصها. وقد يرمز عند بعضهم إلى شيء من الراحة بعد تعب. ويستحسن أن تقابل ذلك بالدعاء والاعتناء بما يحفظ صفو بيتها. وهو كله استئناس لا جزم.
وللرجل أو التاجر قد يرتبط البياض ببداية صفحة جديدة في العمل أو بدء مشروع بخطة واضحة وبنية صافية. وقد يعني الشفافية في المعاملة والوضوح في الاتفاقات. وفي ذلك تذكير بأن الصفاء في التعامل يحفظ الثقة. وليس في الحلم ضمان لنتيجة.
وللحامل قد تأتي أحلام الألوان الهادئة في فترة تكثر فيها المشاعر الرقيقة، فلا يُحمّل البياض معنى يخص حملها. وهي صور عابرة لا تدل على شيء مقدّر. وينفعها الاهتمام براحتها واستشارة الطبيبة في ما يخص صحتها. والأحلام في هذه المرحلة تتلون بالمشاعر.
ومن التفاصيل: هل البياض نيئ سائل أم مطبوخ متماسك، وهل كان نظيفاً من أي شوائب، وهل انفصل عن الصفار أم التصق به. فالانفصال النظيف قد يوحي بوضوح في التمييز بين الأمور، والالتصاق قد يوحي بتداخل. وإن شاب البياض شيء من الدم أو الكدرة فربما دل على أمر يحتاج إلى صفاء. وكلها قراءات ظنية لا قطع فيها.
وفي الجانب النفسي والعملي، يمكن للحلم أن يدعو إلى تنقية النفس من الشوائب، كالأحقاد الصغيرة والأفكار السلبية، والبدء بصفحة جديدة في علاقة أو عمل. كما يذكّر بقيمة الوضوح والصراحة في التعامل. ويمكن للرائي أن يخصص وقتاً لمراجعة نفسه وتصفية ما يثقله. وليكن دعاؤه بصفاء القلب وسلامة الصدر.
ومن الأمور التي يلتفت إليها أهل التأمل في الأحلام أن الصفحة البيضاء في الرؤيا قد ترتبط بالخوف من الفراغ كما ترتبط بالأمل في البداية. فالبياض الواسع قد يبعث الطمأنينة عند قوم والقلق عند آخرين، بحسب ما يحمله كل منهم من تجارب. فمن كان في مرحلة انتقال قد يرى في البياض سعة وفرصة، ومن كان مثقلاً بالمسؤوليات قد يراه فراغاً يحتاج إلى ملء. ولهذا كان شعور الرائي عند الاستيقاظ أصدق دليل على الوجه الذي يميل إليه المعنى في حقه.
وقد يشير بعضهم إلى أن للبياض صلة بالستر، إذ يغلف الصفار ويحجبه عن العين، ومنه فُهم أن الستر على الناس من الأخلاق الجميلة التي تحفظ ود المجتمع. وهذا المعنى الأخلاقي يصلح أن يؤخذ من المنام عبرة سلوكية، فلا نتتبع عيوب الناس ولا نكشف ما ستره الله. وهو معنى يعود على الرائي بالخير في يقظته مهما كان تأويل المنام نفسه. وبهذا يخرج بفائدة عملية دون ربط بأي أمر غيبي.
وفي الختام، فإن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يخطئ المفسر فيه ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. والأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله. وما يخفيه الغد من علم الله وحده. والله أعلم.
