قد يرى الإنسان في منامه صفار بيضة وحده، كرة صفراء لامعة تستقر في طبق أو في كف أو وسط بياض، ويتأمل لونها الدافئ ومظهرها الغني. وهذه الصورة قريبة من الحياة اليومية، لكنها تحمل في الرموز طابعاً خاصاً لأن الصفار هو الجزء الداخلي من البيضة وقلبها. وما يُقال في معناها قراءة رمزية احتمالية، لا يُراد بها الإخبار بشيء مقدّر. ومن الأحسن أن نقرأها بخفة وتأمل، مستحضرين أن للأحلام مصادر شتى من الخواطر والمشاهد.
الصفار هو لب البيضة ومركزها، وهو عند بعض المهتمين بالرموز يدل على الجوهر الثمين والمخبوء الذي تحميه الطبقات المحيطة به. ولونه الأصفر الدافئ يوحي بالحرارة والحيوية والغنى، وهو مما يربطه البعض بالقيمة المحفوظة في العمق. فإذا ظهر وحده في الحلم فقد يُفهم ذلك على أنه تركيز على اللب الذي يراد الوصول إليه أو على ما هو أثمن في الأمر. وهو معنى يتصل بالانتباه إلى الجوهر.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن الأشياء الداخلة في الغطاء قد ترمز إلى أموال مدخرة أو أسرار مستورة، وأن اللون الأصفر يختلف تأويله بحسب سياقه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الألوان في الرؤيا تُقرأ بحسب حال الرائي وما يقترن بها. وقد ذكر بعض المفسرين أن الأصفر قد يُؤخذ على معنى الإرهاق أو التغير في بعض السياقات، وعلى معنى الدفء والذهب في سياقات أخرى. واختلافهم يدل على أن الأمر لا يقوم على قطع.
ويتغير المعنى بحسب حال الصفار: فالصفار المتماسك اللامع يختلف عن الباهت، والمستقر في مكانه يختلف عن المنسكب. وبحسب كونه نيئاً أو مطبوخاً، فالنيء أقرب إلى أمر لم ينضج، والمطبوخ أقرب إلى أمر استقر. وللمكان أثر كذلك، أهو في طبق نظيف أم في يد الرائي أم على الأرض. ويلعب شعور الرائي دوراً، فمن أعجبه اللون وفرح به غير من اشمأز.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الصفار عن بحثها عن جوهر ما تريد وأن تجد لنفسها قيمة لا تتوقف على أحكام الآخرين. وقد يرمز إلى موهبة كامنة أو رغبة في التعمق في شيء تحبه. ويحسن أن تهتم بما هو أصيل في شخصيتها. وهذه معان تأملية لا خبر فيها.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط الصفار برمز الدفء في البيت، وبالعناية بلب الأسرة وهو المحبة والتفاهم. وقد يرى فيه بعضهم إشارة إلى ما تدخره من خير لأهلها. ومن المناسب أن تتأمل ما يجعل بيتها دافئاً وتعتني به. ولا يدل الحلم على أمر بعينه.
وللرجل أو التاجر قد يرتبط الصفار بجوهر المشروع وما يمنحه القيمة الحقيقية، كجودة المنتج أو أمانة المعاملة. وقد يرمز إلى ما يُدّخر من مال أو خبرة أو علاقات. وهو تذكير بأن العناية بالجوهر خير من الانشغال بالقشور. وليس في ذلك دلالة على ربح محدد.
وللحامل قد يأتي لون الصفار الدافئ في أحلام تتأثر بمشاعر الحنان واللون والغذاء، فلا يُحمّل أكثر من ذلك. ولا يؤخذ منه إخبار عن شيء يتصل بحملها. وتنفعها العناية بنفسها ومتابعة الطبيبة في ما يخص صحتها. والأحلام في هذه الفترة غنية بالصور.
ومن التفاصيل الدقيقة: عدد الصفار الذي رآه، وهل كان وحده أم مع بياض، وهل كان يلمع أم يتعتم، وهل مسّه الرائي أم اكتفى بالنظر. فمن اكتفى بالنظر قد يكون في موقع المتأمل، ومن لمسه قد يكون في موقع المبادر. وإن كان لامعاً دافئاً فالمعنى أقرب إلى الحيوية، وإن كان باهتاً فربما كان أقرب إلى الحاجة إلى تجديد. وكلها احتمالات ظنية.
وفي الجانب العملي والنفسي، يدعو الحلم إلى أن نسأل عما هو لب حياتنا الحقيقي، وعما نحميه من قيم وأهداف وأحبة. وفيه تذكير بأن الوصول إلى الجوهر يحتاج إلى تجاوز القشور والبياض الذي يغلفه من انشغالات ثانوية. ويمكن للرائي أن يكتب أهم ثلاثة أمور في حياته ويعمل على العناية بها. وليكن دعاؤه بالبصيرة وصلاح الحال.
ومن اللطائف في تأمل الصفار أن الإنسان يشبّه به أحياناً الشيء المضيء في الوسط، كالشمس الصغيرة داخل بياض السماء، وهذا التشبيه يعين على فهم جاذبيته في الأحلام. فالعين تنجذب إلى مركز الصورة، والنفس تميل إلى البحث عن مركز لحياتها وهدف تدور حوله. وقد يكون الحلم تعبيراً عن حنين إلى معنى مركزي يوحّد الأمور المتفرقة. ويمكن للرائي أن يسأل نفسه عما يمثل قلب أيامه اليوم، وهل يعطيه ما يستحق من وقت واهتمام.
كذلك قد يكون ظهور الصفار منفرداً في المنام إشارة إلى رغبة في التركيز وإزالة المشتتات، فالصفار حين يُفصل عن البياض يظهر بوضوح أكبر. وهكذا حين يعزل الإنسان أولوياته عن ضجيج التفاصيل تتضح له الصورة. وهذه معانٍ تربوية نفسية لا علاقة لها بالغيب. وهي تصلح موضوعاً للتأمل الهادئ دون أن يرتب عليها الإنسان شيئاً من قراراته الكبرى.
وفي الختام، فإن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يخطئ المفسر فيه ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. والأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله. وما وراء الأيام من علم الله وحده. والله أعلم.
