من الأحلام التي تترك أثراً في النفس أن يرى الإنسان البيض يسقط من يده أو من الرف أو من السلة فينكسر ويتناثر على الأرض. وهي لحظة مألوفة في الواقع لكل من حمل بيضاً في يوم من الأيام، لذلك لا يُستبعد أن يكون سببها خوفاً عادياً من الإهمال أو ذكرى موقف مشابه. وإذا أردنا التأمل في دلالتها الرمزية فلنفعل ذلك مع التذكير بأن التأويل اجتهاد ظني، وأنه لا يخبر بحدث قادم. والحلم قد يكون ببساطة صدى لقلق صغير.
وما يميز هذا الحلم هو عنصر المفاجأة وعدم القصد، فالبيض لم يُكسر عمداً بل سقط وفاجأ صاحبه. ولذلك يُنظر إليه في الرمزية العامة إشارة إلى خشية من فقدان شيء ثمين أو من انهيار خطة لم تتحصن بعد. وقد يعبّر عن قلق من ضياع جهد أو من خطأ غير مقصود. وهو في الوقت نفسه صورة معبرة عن هشاشة بعض الأمور التي نحملها، وعن أن العناية بها واجبة. وهذه المعاني ليست قاعدة، وإنما هي قراءات ممكنة.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتناقله الناس عنه، أن انكسار الأشياء في الرؤيا قد يشير إلى خسارة أو إلى نقص في أمر ما، وأن البيض يرتبط بالمال اليسير والأمر المستور. وذهب بعض المفسرين بعده إلى أن سقوط البيض قد يدل على تضييع شيء بالتفريط أو الاستعجال. ولكن هذه الأقوال تختلف في نقلها وفي معناها بين مفسر وآخر، ولا يمكن الجزم بها. ولذلك يحسن أن نقرأها بعين الاعتدال، فلا نخاف منها ولا نتجاهل ما فيها من حكمة حذر.
ويتغير المعنى بحسب تفاصيل السقوط. فإن سقطت بيضة واحدة من عدد كبير سليم فالأمر أخف بكثير مما لو سقطت السلة كلها. وإن استطاع الحالم أن يلتقط البيض قبل أن يصل إلى الأرض فقد يُقرأ ذلك على أنه قدرة على تدارك الخطأ في الوقت المناسب. وإن سقط على سطح ناعم فلم ينكسر فقد يُفهم منه سلامة في موضع الخطر. وإن انكسر وتناثر فقد يعبّر عن شعور بالأسف أو الضيق. والذي يرجح بين ذلك كله هو إحساس الحالم نفسه.
وللمرأة المتزوجة قد يكون الحلم انعكاساً لخوفها من التقصير في شؤون البيت أو من فقدان شيء تحرص عليه، وهو شعور كثيراً ما يلازم المسؤولين عن غيرهم. وللفتاة العزباء قد يعبّر عن قلقها على أمر تتمنى حدوثه من أن يفشل، دون أن يعني الحلم أن شيئاً من ذلك سيقع. وللرجل قد يرمز إلى الخوف على صفقة أو مشروع أو مال. وللتاجر قد يوحي بضرورة إحكام التخزين والنقل. وهذه اجتهادات لا ينبغي أن تُحمل على اليقين.
ومن الدقائق التي يتأملها بعضهم من الذي أسقط البيض: أهو الحالم نفسه أم غيره؟ فإن كان غيره فقد يعبّر ذلك عن اعتماد على آخرين وخشية من تقصيرهم. وإن كان هو فقد يعبّر عن لوم النفس. وكذلك الشعور بعد السقوط: هل أسرع إلى التنظيف والإصلاح أم بقي متحسراً؟ فالمبادرة إلى الإصلاح تعبّر عن روح عملية إيجابية. وإذا كان هناك من يواسيه أو يعينه فذلك يشير إلى وجود سند. وهذه تفاصيل تخضع للتأمل الشخصي.
وفي الأمر وجه آخر تربوي جميل: فمن أحاط بالمشهد يرى أن الخسارة اليسيرة لبيضة لا تستدعي الحزن الشديد، ولا ينبغي أن يجلد الإنسان نفسه بسبب خطأ صغير. فكل واحد منا يخطئ ويتعثر، والحكمة في أن نتعلم ونعالج. وهذا مما يخفف على النفس ويعين على الاستمرار. ومن أخذ العبرة بلا جلد للذات صار أكثر هدوءاً وإنتاجية. وهذا هو الجانب العملي الأكبر من مثل هذه الأحلام.
ومن الجانب النفسي، قد يكون هذا الحلم تعبيراً عن ضغط داخلي أو عن مخاوف من الإخفاق، وهي مشاعر تعتري الجميع في فترات المسؤولية. وقد يدعوه إلى أن يراجع طريقة حمله لمسؤولياته، فيوزعها ويستعين بغيره ولا يضع كل ما يملك في سلة واحدة. كما أنه تذكير بقيمة الاحتياط والتأني وتقسيم الأمور. وهذه نصائح عملية يمكن أن يستفيد منها المرء بغض النظر عن صحة التأويل. وأولى بالإنسان أن يعتني بنومه وراحته أيضاً.
وقد يلتفت بعضهم إلى المكان الذي سقط فيه البيض: فالسقوط في البيت قد يرتبط بشأن أسري، وفي العمل بشأن مهني، وفي الطريق بأمر عام لا يخص أحداً بعينه. وليس لهذا الكلام أصل قاطع، لكنه يعين الحالم على ربط الصورة بما يشغل باله فعلاً. فإذا وجد أن قلبه متعلق بموضوع معين فليتخذ من الحلم فرصة للاحتياط فيه بالدعاء والتخطيط، دون أن يفزع أو يتشاءم.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يتخذه الإنسان مبرراً لقرار حقيقي أو سبباً لخوف أو تشاؤم. والأحسن أن يستعيذ بالله من وساوس الشيطان ويدعوه بالخير ويحسن به الظن، ثم يمضي في عمله بالأخذ بالأسباب. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما كتبناه محض تأملات في رموز. والله تعالى أعلم.
