من الأحلام اللطيفة أن يجد الإنسان في منامه بيضاً، سواء في حديقة أو بين الأعشاب أو داخل خزانة أو في عش لم يتوقعه. وهذه الصورة تشبه فرحة الطفل حين يعثر على كنز صغير، ولذلك كثيراً ما يستيقظ منها الرائي بشعور خفيف مبهج. وينبغي أن نذكّر أن هذا من باب التأويل الرمزي الاحتمالي، فلا يُقصد به الإخبار بمال أو حدث بعينه. وحسبنا أن نتأمل ما قد توحي به الصورة من معان جميلة.
البيض في رموز الأحلام يرتبط بالبدايات والإمكانات الكامنة والرزق اليسير المخبوء. والعثور على شيء مخبوء قد يرمز إلى اكتشاف جانب من النفس أو فرصة لم تكن ظاهرة أو حل لمشكلة كانت تشغل البال. فيكون المعنى العام قريباً من فرحة الوصول إلى شيء كان مستتراً. وهذه الصورة تحمل طابع المكافأة الصغيرة على البحث والصبر.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن وجدان الشيء النافع في المنام قد يدل على نيل أمر محمود، وأن حال الموجود يدل على حال المكسب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن العثور على المخبوء قد يدل على ظهور سر أو بلوغ مطلوب بعد جهد. وربط بعض المفسرين البيض عموماً بالنساء والمال القليل، فقالوا إن وجدانه رمز لأمر يسير نافع. وقد اختلفوا فلا يُجزم بقول منهم.
ويتغير المعنى بحسب مكان العثور وحال البيض: هل وجده في مكان طبيعي كالعش أم في مكان غير مناسب، وهل كان سليماً نظيفاً أم مكسوراً ملطخاً. فالبيض السليم في مكان معتاد قد يوحي بأمر منتظم، والبيض في مكان غريب قد يوحي بمفاجأة. وعدد ما وجده، وهل وجده وحده أم بصحبة أحد، وهل جمعه في سلة أم تركه. وكل ذلك يضيف إلى الصورة دلالات.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن شعور بأن في حياتها فرصة تنتظر أن تكتشفها، ربما في موهبة أو دراسة أو صداقة. وقد يرمز إلى أن بعض ما تبحث عنه أقرب مما تظن. ويحسن أن تتأمل ما حولها بعين جديدة. وهذا كله خاطر نفسي لا خبر عن حادثة.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط الحلم بالقناعة والبركة في ما بين يديها، أو بالعثور على حل لمشكلة في البيت، أو بفرحة بشيء بسيط يُدخل السرور على الأسرة. وقد يرى بعضهم فيه رمزاً لخير يأتي من وجه غير متوقع. وليكن ذلك دافعاً إلى الشكر وحسن التدبير. ولا يُبنى عليه توقع محدد.
وللرجل أو التاجر قد يرتبط العثور على البيض باكتشاف فرصة عمل أو سوق أو فكرة صغيرة لها مستقبل. وقد يكون المنام دعوة إلى ملاحظة التفاصيل الصغيرة التي قد تغفل عنها العين. فالفرص كثيراً ما تكون خبيئة في ما يبدو عادياً. ومع ذلك فالحكمة أن يتحقق الإنسان بالدراسة والمشورة قبل أن يُقدم على أي خطوة.
ومن التفاصيل: هل وجد البيض بعد بحث طويل أم صدفة، وهل فرح أم حار، وهل أخذه أم تركه، وهل وجد معه شيئاً آخر. فالعثور بعد بحث يميل إلى معنى ثمرة السعي، والعثور صدفة يميل إلى معنى المفاجأة اللطيفة. وإن أخذه وحفظه فربما دل على استعداد للاستفادة من الفرصة، وإن تركه فربما دل على تردد. وهذه احتمالات لا قطع فيها.
وفي الجانب العملي يمكن للحلم أن يذكّر بأن الفرص الصغيرة تستحق الانتباه، وأن التفاؤل المتزن يفتح الأعين على ما حولنا. ويمكن للرائي أن يخصص وقتاً ليتأمل ما بين يديه من موارد ومهارات لم يستثمرها. كما أن الفرحة بالأشياء الصغيرة عنوان للرضا. وليشفع ذلك بالشكر والدعاء بالتوفيق.
وللحامل قد تحمل صورة العثور على البيض معنى نفسياً دافئاً، فهي مرحلة يكثر فيها التطلع والفضول والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة والحنان. فلا يُفهم من الحلم إخبار عن شيء بعينه، وإنما هو صدى لمشاعر البهجة والترقب التي قد تغمر النفس. وينفعها أن تستمتع بهذه المشاعر وأن تهتم براحتها وتتابع طبيبتها بما يخص صحتها. والأحلام لا تغني عن الاستشارة الطبية ولا تحل محلها.
ومن التأملات النافعة أن العثور على شيء في الحلم يتصل في كثير من الأحيان بما نبحث عنه فعلاً في يقظتنا من إجابة أو مخرج أو طمأنينة. فقد يكون الرائي مشغولاً بسؤال لم يجد له جواباً، فيأتي المنام في صورة كنز صغير يطمئن النفس بأن في الأمر مخرجاً. وليس معنى ذلك أن الجواب سيأتي بعينه، بل أن القلب يميل إلى الأمل. وهذا الأمل المتزن، إذا اقترن بالسعي والتوكل، يكفي ليخرج الإنسان من حلمه أخفّ همّاً وأحسن ظناً.
وفي الختام، فإن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يخطئ المفسر فيه ويصيب، ولا يصح أن يُجعل أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. والأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله وأن يأخذ بالأسباب. وما يأتي به المستقبل علمه عند الله وحده. والله أعلم.
