من الصور التي قد تمر بالنائم أن يرى بيضة تطفو على سطح الماء، فلا تغرق ولا تستقر في القاع، بل تتمايل مع حركة الموج الخفيفة أو تبقى ساكنة فوق سطح نهر أو إناء أو بحر. وهذه صورة هادئة في ظاهرها، وغالباً ما يتذكرها الرائي بوضوح لأنها مألوفة وغريبة معاً. ومن المهم أن نتذكر أن الحديث عن معاني هذه الصورة حديث رمزي احتمالي، لا يُقصد منه الجزم بشيء من الغيب. ويحسن أن ينظر إليها القارئ بخفة وتأمل، فهي أقرب إلى لوحة تُقرأ منها الإشارات.
البيضة في رموز الأحلام عند كثير من المهتمين بها تمثل شيئاً مغلقاً فيه كامن، وقد تُفهم على أنها بداية ما زالت في طور التكوين. والماء رمز واسع يتصل بالحياة والأحوال المتقلبة والمشاعر والرزق في بعض الأقوال. فإذا اجتمع الرمزان وطفت البيضة، فقد يُقرأ المشهد على أنه أمر هش لكنه قادر على البقاء ظاهراً وسط الأحوال المتغيرة. وكأن الصورة تقول إن هذا الأمر الصغير لم يغرق، بل يمسك بنفسه على السطح.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن الماء قد يدل على الحياة والمعاش، وأن ما يطفو عليه قد يُفهم على أنه ظاهر لا يُخفى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن حال الشيء في الماء يدل على حال صاحبه من الثبات أو الاضطراب. وربط بعض المفسرين البيض عموماً بالنساء والأهل والمال اليسير، فيكون الطفو عندهم إشارة إلى بقاء ذلك كله في وضع مقبول. وقد اختلفت الأقوال اختلافاً كبيراً، فلا يصح الجزم بواحد منها.
ويختلف المعنى بحسب حال الماء: هل هو صافٍ هادئ أم عكر مضطرب، وهل هو ماء نهر جارٍ أم ماء راكد في وعاء. فالماء الصافي يميل بالمشهد إلى الطمأنينة، والعكر يدعو إلى التأمل في ما يكدّر الصفو. وتختلف البيضة كذلك: هل هي مسلوقة أم نيئة، وهل هي بيضاء أم ملونة أم مشققة. ولشعور الرائي أثر، فمن تأمل المنظر بسكينة غير من لاحقها بخوف أن تغرق.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون في المشهد انعكاس لمرحلة تحاول فيها الحفاظ على توازنها وسط تغيرات الدراسة أو العمل أو المحيط الاجتماعي. وقد تشعر أن لها أمراً صغيراً عزيزاً تخشى عليه من التيار، فتأتي صورة بيضة تطفو دلالة رمزية على بقائه. ويحسن بها أن تتأمل ما تحرص عليه وتعمل على حمايته بهدوء. ولا يصح اعتبار الحلم خبراً عن أمر معين في مستقبلها.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط الطفو عند بعضهم بحال البيت وقدرتها على إدارة أموره وسط تقلبات الأيام. فهي تحمل كثيراً من الأعباء، وقد تشعر أحياناً أنها تحافظ على التوازن بجهد. والصورة قد تشير رمزياً إلى أن ما تعتني به قائم رغم الصعاب. ومن الجميل أن تأخذ المرأة من هذا المشهد رسالة تشجيع على الاستمرار بالرفق والحكمة.
وللرجل أو التاجر قد يرتبط الطفو بالمال أو العمل الذي يتأرجح مع أحوال السوق. فالبيضة التي تطفو قد تذكّر بأن بعض ما نملك خفيف يحتاج إلى حذر حتى لا يسحبه التيار. وقد تدل في بعض التأويلات على أمر ظاهر للعيان لا يخفى على الناس. وهذا يدعو إلى مراجعة الحسابات والتحوط بأسباب مشروعة، دون أن يكون في الحلم حكم على نتيجة.
ومن التفاصيل التي تصقل التأويل: هل كانت البيضة وحدها أم معها بيضات أخرى، وهل بدت تتجه نحو الشاطئ أم تبتعد عنه، وهل حاول الرائي التقاطها. فالتي تقترب من الشاطئ توحي بأمر يقترب من الاستقرار، والتي تبتعد توحي بأمر يخرج من اليد، والتقاطها قد يعني رغبة في الإمساك بما يوشك أن يفلت. ولون الماء وصوته وعمقه تفاصيل أخرى تضيف إلى الصورة معنى. وكل ذلك احتمالات وليس قطعاً.
وعملياً يمكن أن يكون الحلم تذكيراً لطيفاً بأن للإنسان أن يحافظ على ما هو خفيف وثمين دون تثاقل، وأن لا يُحمّل الأمور فوق طاقتها. وفيه دعوة إلى التوازن بين الحرص والتوكل، فكما تطفو البيضة بحكم طبيعتها يمكن للإنسان أن يجد ثباته بالتأني وحسن التدبير. ويمكن للرائي أن يخصص وقتاً للتفكير في ما يشغله، وأن يرتب أولوياته ويحمي طاقته. وليكن الدعاء بالثبات رفيقاً له في تقلبات الأيام.
وفي الختام، فإن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يخطئ المفسر فيه ويصيب، ولا يصح أن يُجعل أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. والأحسن أن يستقبل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يأخذ بالأسباب المشروعة. وما يخبئه الغد من علم الله وحده. والله أعلم.
