من الأحلام الجميلة اللافتة أن يرى الإنسان بيضة ذهبية تلمع في يده أو في عش أو على طاولة، فيدهشه بريقها ويشعر أنها شيء استثنائي. وهي صورة مألوفة في القصص والحكايات التي تُروى للصغار والكبار، ولذلك فمن المرجح أن يكون مصدرها خيالاً مستمداً من تلك الحكايات. وإذا أراد الحالم التأمل الرمزي فلنذكّره بأن التأويل ظني واجتهادي، وأنه لا يعني وعداً بثروة ولا نبوءة بشيء.
والذهب في الرمزية العامة يدل على القيمة والنفاسة والجمال، لكنه عند المفسرين قد يحمل أيضاً معنى الفتنة والانشغال بالدنيا إذا تعلق به القلب. والبيضة بدورها بداية لم تكتمل وإمكانات كامنة. فإذا اجتمعا قد تُقرأ الصورة رمزاً لأمر ثمين في بدايته، أو لأمل كبير يعلّقه الإنسان على مشروع أو فكرة. وفي الوقت نفسه قد تنبه إلى أن الأمل الكبير هش كالقشرة، ويحتاج إلى حرص. وهذه معاني عامة تحتمل أوجهاً شتى.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتناقله الناس عنه، أن الذهب في الرؤيا قد يدل على مال أو على همّ وفتنة بحسب حاله، وأن البيض يرتبط بالمنفعة اليسيرة والأمر المستور. وذهب بعض المفسرين إلى أن الاجتماع بين الأمرين قد يدل على نفع يُظن كبيراً وهو مستور بعد. غير أن الأقوال هنا متفاوتة، وكثير منها مروي بصيغ مختلفة. ولذلك لا يصح الجزم بواحد منها، بل تؤخذ على سبيل الاطلاع، وتُترك الحقائق للواقع وللعمل.
ويتغير المعنى بحسب تفاصيل الحلم. فإن كانت البيضة الذهبية سليمة تلمع بهدوء فهي أقرب إلى معنى القيمة المحفوظة، وإن كانت تخطف الأبصار بشدة فقد توحي بالانبهار الذي ينبغي الحذر منه. وإن كان الحالم يحافظ عليها ويضعها في مكان آمن فقد يعبّر عن حسن تقدير لما عنده، وإن كان يخشى سرقتها فقد يعبّر عن قلق على ما يملك. وإن كانت من ذهب خالص ثقيلة فقد توحي بالجدية والقيمة الحقيقية، وإن كانت مطلية خفيفة فقد توحي بأن المظهر يفوق الجوهر. وشعور الحالم هو القرينة الكبرى.
وللتاجر قد تعبّر البيضة الذهبية عن أمل في صفقة ثمينة أو مشروع رابح، ولا يجوز أن يتخذها دليلاً على نجاحه. وللمرأة المتزوجة قد تعكس تقديرها لما في بيتها من نعم ثمينة. وللفتاة العزباء قد تعبّر عن حلم كبير أو أمنية غالية. وللرجل قد تدل على فرصة عمل يتمنى أن تتحقق. وللطالب قد ترمز إلى هدف علمي كبير. وهذه كلها احتمالات للتأمل لا أكثر، ولا ينبغي أن ترفع التوقعات فوق ما تحتمله الأسباب الواقعية.
ومن الدقائق أن يتأمل الحالم مصدر البيضة الذهبية: هل وجدها بنفسه أم أهداها له أحد أم وضعتها دجاجة عجيبة؟ فإن وجدها بجهده فقد يعبّر عن ثمرة مثابرة، وإن أهديت له فقد يعبّر عن لطف من الآخرين، وإن كانت من دجاجة فقد يتذكر حكاية قديمة من قصص الأطفال. وإن حاول كسرها ليرى ما بداخلها فقد يعبّر عن فضول واستعجال. وإن حرص على بقائها كاملة فهو يعبّر عن صبر. وكل هذه خواطر خفيفة.
ومن أحسن ما يُستفاد في هذا الباب أن في الحكايات القديمة عبرة مشهورة هي أن من استعجل أخذ كل شيء دفعة واحدة خسر مصدر الخير كله. وهذا درس قديم في الصبر والقناعة وعدم الطمع، يشبه ما يعلّمه الصالحون من أن الرضا بما قسم الله كنز لا يفنى. فمن أخذ من الحلم عبرة القناعة والصبر، فقد استفاد فائدة حقيقية. ولا يتعارض ذلك مع السعي والطموح المشروع، لكنه يهذبهما ويحميهما من الجشع.
ومن الجانب النفسي، قد يعبّر الحلم عن رغبة في التقدير أو الثراء أو الإنجاز الاستثنائي، وهي رغبات إنسانية مشروعة ما دامت متزنة. وقد يدعو الإنسان إلى أن ينظر في ما عنده من قيمة حقيقية غير مادية، كصحته وأهله وعلمه وإيمانه، فهي أنفس من الذهب. وقد يشجعه على العمل بجد لتحقيق هدف كبير بخطوات واقعية. وفي كل ذلك ينبغي ألا يتحول الحلم إلى انتظار الحظ بدل السعي، فالرزق يُطلب بالعمل والتوكل.
وفي الحكايات التي تتناول البيضة الذهبية يرى الناس أحياناً عبرة في أن الشيء الثمين لا يُعرف قدره إلا عند فقده، وأن الأيام العادية التي نمر بها قد تحمل في طياتها نعماً غالية لا ننتبه لها. فمن رأى بيضة ذهبية في منامه قد يتأمل: ما هو الشيء الثمين الذي أمتلكه ولا أقدّره حق قدره؟ وقد يكون الجواب وقتاً مع الأهل أو صحة أو فرصة علم أو صحبة صالحة. وهذا تأمل أخلاقي جميل لا يحتاج إلى تأويل غيبي، ويزيد القلب شكراً.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يتخذه الإنسان مستنداً لقرار مالي أو استثماري أو لتعليق آمال على ثروة قادمة. وأحسن ما يفعله المسلم أن يقابل رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله والأخذ بالأسباب المشروعة. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما كتبناه لا يتجاوز التأمل في رموز. والله أعلم.
