قد يرى الحالم دجاجة جاثمة على بيضها تحضنه بدفء وصبر، لا تكاد تتحرك إلا قليلاً، وهي مشهد مألوف في الريف وفي القصص التي نسمعها صغاراً. وهذا الحلم يختلف عن رؤية البيض مجرداً، لأن فيه عنصراً حياً هو الرعاية والانتظار. وقد يكون سببه ذكرى أو مشهداً شاهده الإنسان حديثاً، وقد لا يكون له معنى سوى ذلك. وإذا تأملنا رمزيته فلنبقِ في دائرة الظن والاجتهاد، فلا يخبر الحلم بالغيب ولا يلزم الإنسان بشيء.
والحضن في الرمزية العامة هو تجسيد للصبر والرعاية الطويلة التي لا تُرى نتائجها فوراً. فالدجاجة تجلس أياماً تحفظ الدفء والحماية لشيء لم يظهر بعد، وهذا يشبه ما يفعله الإنسان حين يعتني بمشروع أو بتعلم أو بعلاقة أو بعبادة يرجو ثمرتها. ولذلك قد يُنظر إلى المنام على أنه صورة للانتظار الواعي الذي لا يُعدّ ضياعاً للوقت بل جزءاً من النمو. وقد يعبّر أيضاً عن الحرص على حماية ما هو ضعيف حتى يقوى. وهذه معانٍ عامة محتملة.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتناقله الناس، أن الدجاجة قد ترمز إلى امرأة أو راعية أو صاحبة بيت، وأن البيض قد يرمز إلى الرزق اليسير أو الأمر المستور. وذهب بعض المفسرين بعده إلى أن حضن الدجاجة للبيض قد يدل على رعاية أمر مدخَّر ينتظر وقته. ولكن هذا مما اختلف فيه، ولم يرد فيه ضابط قاطع. فيحسن أن يُنظر إليه بوصفه وجهة نظر من وجهات متعددة تُعين على التأمل في المعنى.
ويتغير المعنى بحسب صورة الحضن. فالدجاجة الهادئة المطمئنة على بيضها توحي بالأمان وطول النفس. والدجاجة التي تقوم وتترك البيض قد توحي بالتردد أو الانقطاع عن أمر ما. وإن رأى الحالم أنه هو من يحضن البيض بنفسه فقد يعبّر عن شدة حرصه واهتمامه، وإن رأى أنه يحرس الدجاجة فقد يعبّر عن حمايته لمن يرعى أمراً ثميناً. وكذلك يلتفت بعضهم إلى كثرة البيض تحتها أو قلته، وإلى دفء المكان أو برودته. وكلها دلائل على حالة نفسية أكثر منها خبراً.
وللمرأة المتزوجة قد يعكس الحلم عنايتها بأسرتها وصبرها على شؤون البيت، وللمرأة العاملة قد يعكس حرصها على مشروع تعمل عليه ببطء وهدوء. وللفتاة العزباء قد يرمز إلى الصبر على مرحلة انتظار في دراسة أو عمل أو غيرهما، دون أي تحديد لنتيجة. وللرجل قد يعبّر عن رعايته لمشروع ناشئ أو لأسرة يسعى في استقرارها. وللتاجر قد يشير إلى استثمار طويل الأمد يحتاج إلى نفس طويل. وهذا كله من باب الاحتمال.
ومن الدقائق أن يلتفت المفسر إلى مكان الحضن: فالعش المحمي الدافئ يوحي بالأمان، والعش المكشوف يوحي بأن الأمر يحتاج إلى مزيد من الحماية. كذلك يلتفت بعضهم إلى سلوك الدجاجة إن اقتُرب منها، فإن كانت تذود عن بيضها فقد يُقرأ ذلك على معنى الغيرة على ما يخص الإنسان وحماية حدوده. وإن كانت لا تبالي فقد يوحي بالاطمئنان. وقد يمر في الحلم زمن طويل، يوحي بأن الأمر لا يُحسم في ساعة. وهذه لا يُجزم بشيء منها.
وقد يتأمل الإنسان أن الحضن يتطلب أن تبقى الدجاجة على حرارة معتدلة، لا باردة فيفسد البيض ولا شديدة فيتلف. وفي هذا درس لطيف في التوازن: فكل رعاية تحتاج إلى حرارة معتدلة من العناية لا إهمال ولا إفراط. وهذا يصلح في تربية الأبناء وفي إدارة المشاريع وفي العلاقات الإنسانية. ومن اعتدل في عنايته وصبر على ما يرجو بلغ ما يسره الله له. وليس هذا حكماً من الحلم بل خلاصة تجربة الناس.
ومن الجانب النفسي، قد يبعث الحلم شعوراً بالسكينة، فيه ما يشبه الدعوة إلى التمهل وتقدير مراحل النمو الخفية التي لا تُرى. فكثيراً ما يستعجل الإنسان نتائج لم يحن وقتها فيفقد صبره، وقد يذكّره هذا المشهد بأن بعض الأمور تحتاج إلى وقت وهدوء. وقد يدعوه إلى أن يوفر لما يرعاه بيئة آمنة ودافئة، وأن يتحلى بالرفق مع نفسه ومع غيره. وفي ذلك راحة كبيرة للنفس، وسلامة لما نرعاه.
وللحلم وجه آخر هو الإحساس بالدفء، فالحضن في أصله دفء ومحبة وحماية. وقد يشعر الحالم بعد هذا المنام برغبة في أن يقرب من أهله وأن يجدد صلته بمن يحب، وهذا من أجمل ما يُستفاد من الأحلام. فالتواصل مع الأقارب والأصدقاء ورعاية الضعفاء حولنا من الأعمال التي تثمر طمأنينة لا تحتاج إلى تفسير. ومن حضن غيره بالكلمة الطيبة والمساعدة فقد أدى معنى الحضن في أجمل صوره.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يتخذه الإنسان مستنداً لقرار في الواقع مهما بدا الحلم جميلاً أو مطمئناً. وأحسن ما يفعله المسلم أن يدعو الله بالخير ويحسن به الظن ويواصل عمله بصبر. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما نكتبه هنا تأملات في رموز محتملة. والله أعلم.
