قد يشاهد الإنسان في منامه دجاجة تضع بيضة أو أكثر أمامه أو في مكان قريب منه، وهو مشهد عجيب لمن لم يعتد رؤيته في الواقع، وبهيج لمن عاش في بيئة ريفية. وقد يأتي الحلم بعد حديث عن الدواجن أو مشاهدة فيلم أو مرور بمزرعة، فلا يكون له معنى خاص. وإن اتجه الإنسان إلى التأمل الرمزي فهو تأويل ظني لا يخبر عن المستقبل. ويبقى المشهد جميلاً بما فيه من معاني العطاء الهادئ الذي لا ضجيج فيه.
والدجاجة في المنام قد تُقرأ رمزاً للمرأة المدبّرة أو للمصدر الذي يعطي بانتظام، أو لجهة ثابتة تأتي منها منفعة. فإذا وضعت البيض فكأن الرؤيا تقول إن ثمة عطاءً يخرج من جهد صامت. وقد يكون المعنى متصلاً بعمل يقوم به الإنسان أو يقوم به أحد من حوله فيأتي بنتائج صغيرة متتابعة. وفي هذا المعنى شيء من الإنتاج المستمر، لا الضربة الكبيرة المفاجئة. وكل ذلك تأويل عام يختلف باختلاف الأحوال.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتناقله الناس عنه، أن الدجاجة في الرؤيا قد ترمز إلى امرأة أو خادم أو مصدر رزق، وأن البيض يرمز إلى المنفعة اليسيرة. وذهب بعض المفسرين إلى أن وضع الدجاجة للبيض قد يدل على فائدة تأتي من جهة المرأة أو من البيت. ولكن هذه النقول متباينة الصيغة ولم تحظ باتفاق، ولا ينبغي أن تؤخذ مأخذ الجزم. وهي تُذكر هنا على سبيل الاطلاع على ما قيل في كتب التراث.
ويتغير المعنى بحسب تفاصيل الوضع: فإن وضعت الدجاجة البيض في مكان نظيف هادئ فذلك أقرب إلى معاني الاستقرار، وإن وضعته في مكان غير مناسب كالطريق أو فوق الطعام فقد يوحي بأن النفع يأتي في غير موضعه أو في غير وقته. وإن وضعت بيضة واحدة فهي عطاء مفرد، وإن وضعت عدداً فهي عطاء متتابع. وكذلك تهم حال الدجاجة: هادئة مطمئنة أم مرهقة أم مذعورة؟ فهي مرآة لحال الرائي أو لحال من يرمز إليه. وشعور الحالم هو الفيصل.
وللمرأة المتزوجة قد يكون الحلم انعكاساً لشعورها بعطائها المتواصل لأسرتها، أو لتقدير جهودها اليومية التي قد لا يلاحظها أحد. وللرجل قد يرمز إلى مصدر رزق ثابت يغذيه بجهد هادئ، كعمل أو علاقة مهنية. وللفتاة العزباء قد يوحي بتقدير لجهد أمها أو لمن حولها ممن يعطون بلا ضجيج. وللتاجر قد يكون رمزاً لمنتج صغير متكرر الربح. وهذه جميعاً احتمالات للتأمل، ولا يُحمل شيء منها على أنه خبر عما سيحصل.
ومن الدقائق التي تُعين على التأمل: أن الدجاجة تُعلن غالباً عن بيضتها بصوت مميز، فإن سمع الحالم هذا الصوت فقد يفهمه بعضهم على أنه إعلان عن إنجاز أو خبر طيب بسيط. وإن لم تُصدر صوتاً فالعطاء صامت. وكذلك يلتفت بعضهم إلى لون الدجاجة وحجمها، ولكن ذلك أقرب إلى الصور الذهنية الخاصة بالرائي منه إلى قواعد عامة. وإن كانت الدجاجة في بيته فالأمر يتصل بالبيت، وإن كانت في مزرعة بعيدة فالأمر أبعد. ولا يُبنى على هذا الكلام حكم.
وقد يكون في المنام معنى من معاني الاعتراف بالفضل: فالدجاجة تعطي ولا تنتظر شكراً، وهذا ما يفعله كثير من الناس في حياتنا من آباء وأمهات ومعلمين وعاملين مخلصين. وقد يدعونا الحلم أن نلتفت إلى هؤلاء ونقول لهم كلمة طيبة أو ندعو لهم. وليس في هذا تأويل غيبي، بل هو خلق حسن يستفيده الإنسان من التأمل في الصورة. وإذا استجاب لهذه الدعوة فقد جعل من حلمه خيراً يُرى أثره.
ومن الجانب النفسي، قد يعبّر الحلم عن حاجة الإنسان إلى الاستمرار في عطائه دون استعجال النتائج الضخمة، فهو يشير إلى أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع. وقد يعبّر كذلك عن رغبة في أن تكون لديه مصادر دخل أو إنتاج مستقرة مهما صغر حجمها. ويمكن أن يكون دافعاً لتأسيس عادة نافعة يومية، كالقراءة أو الادخار أو الذكر، تُنتج مع الأيام ثمرة طيبة. وهذه حكمة عملية لا يضرها أن تأتي من رؤيا.
وفي بعض الأحيان يلتفت الحالم إلى كمية البيض الذي تضعه الدجاجة وتوقيته، فإن كان العطاء متتابعاً منتظماً عُدّ ذلك رمزاً للاستمرار والثبات، وإن كان نادراً متقطعاً فقد يوحي بأن الثمرة تحتاج إلى مزيد من الصبر. وهذا يتفق مع ما نلاحظه في الحياة من أن الأعمال الدائمة المنتظمة هي أبرك الأعمال وأثبتها أثراً. ولا ينبغي أن نحمّل الحلم أكثر من ذلك، فهو في النهاية مشهد عابر في ليلة من الليالي.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يخطئ ولا يصح الاعتماد عليه في أي قرار حقيقي يخص المال أو العمل أو الأسرة. والأفضل أن يدعو المسلم ربه بالخير ويحسن الظن به ويسعى في أسباب الرزق الحلال. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذكرناه رموز للتأمل. والله تعالى أعلم.
