من الأحلام التي قد يستيقظ منها الإنسان وفي نفسه شيء من الانقباض أن يرى بيضه قد ضاع، فيبحث عنه في السلة فلا يجده، أو يفتقده من مكان وضعه فيه. وهذا الحلم قد يتكرر عند من يحملون هماً صغيراً يخافون عليه، وهو في الغالب صورة نفسية أكثر منه نبوءة. ويجدر التنبيه أن التأويل هنا رمزي احتمالي، وأن ضياع شيء في المنام لا يعني أنه سيضيع في الواقع. فلنقرأ الصورة بهدوء وتأمل.
البيض في رموز الأحلام يشير إلى أمور صغيرة مخبوءة ثمينة، كالرزق اليسير وما يُدخر للمستقبل وما يُعتنى به برفق. وحين يضيع في الحلم فإن المعنى القريب هو الخوف من فقدان ما نظنه قليلاً لكنه عزيز علينا. وقد يعبّر ذلك عن إحساس بعدم الاطمئنان على فرصة أو علاقة أو مشروع أو وقت نبذله. وكأن النفس تقول إنها تخاف أن يفلت منها ما لم يكتمل بعد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن فقدان الشيء في المنام قد يدل على الانشغال به أو على التفريط فيه، وأنه يُنظر إلى حال الشيء المفقود في الواقع. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البحث عن المفقود قد يدل على السعي في طلب أمر ما. وقال بعضهم إن المفقود إذا عُثر عليه في الحلم فهو أقرب إلى الخير من إذا بقي ضائعاً، وقال آخرون غير ذلك. فالخلاف واسع، ولهذا يبقى الباب باب احتمال.
ويتغير المعنى بحسب السياق: هل ضاع البيض في ازدحام أو في بيت أو في الطريق، وهل شعر الرائي بحزن عميق أم بمجرد استغراب، وهل بحث عنه طويلاً أم استسلم سريعاً. فمن ضاع منه البيض في ازدحام قد يعبّر ذلك عن تشتت بين مسؤوليات كثيرة، ومن ضاع في بيته قد يتصل ذلك بشأن أسري. وكذلك لو ضاعت بيضات كثيرة فهي إشارة إلى تعدد ما يخاف عليه، وإن ضاعت واحدة فربما أمر محدد.
وللفتاة غير المتزوجة قد يرتبط الحلم بالخشية من ضياع فرصة أو وقت، أو بالقلق من التأخر عن أقرانها في أمر ما. وقد يكون ضغط التوقعات من حولها سبباً في الصورة. ومن الجميل أن تطمئن إلى أن لكل أمر وقتاً، وأن تعمل على ما في طاقتها. وليس في الحلم خبر عن واقع.
وللمرأة المتزوجة قد يعبّر الحلم عن الخوف على شؤون البيت أو على ما تدخره لأسرتها، أو عن شعور بأن الأمور تتفلت من بين يديها وسط الانشغال. وقد يرى بعضهم فيه رمزاً لانشغال بشيء يخص أهلها. ويستحسن أن تنظم ما يشغلها بجدول بسيط، وأن تطلب العون من أسرتها. فالتنظيم يخفف كثيراً من هذا القلق.
وللرجل أو التاجر قد يرتبط المشهد بحساب المال والبضاعة، وخوف من خطأ أو نسيان أو فقدان فرصة. وقد يكون دعوة إلى مراجعة السجلات وحفظ الأمانات وتدوين الأمور المهمة. وتحذير الصورة رمزي لا جازم، فهو أقرب إلى حثّ على الترتيب. ولا يعني ذلك أن خسارة مقبلة، بل أن الحرص خير من الإهمال.
ومن التفاصيل: هل رأى من أخذه، أم اختفى هكذا، وهل كان في وعاء أم في كف، وهل وجد قشراً أو بقايا بعد الضياع. فمن رأى بقايا القشر قد يُفهم أن ما ضاع كان له أثر، ومن لم يجد شيئاً قد يكون أقرب إلى شعور الغموض. وربما رأى الرائي نفسه ينسى أين وضع البيض، فيكون الأمر أقرب إلى النسيان والتشتت. وهي كلها معانٍ ظنية.
وفي الجانب العملي والنفسي يمكن للحلم أن يكون تنبيهاً لطيفاً إلى ما نخشى فقده، فنسمّيه ونضع له خطة حفظ وعناية. كما أنه دعوة إلى التخفف من التعلق الزائد بالأشياء، فالأرزاق بيد الله، والإنسان يأخذ بالأسباب ويرضى. ويمكن للرائي أن يدوّن ما يهمه ويرتب أوراقه ومواعيده، وأن يتحدث مع من يثق به إن أثقله القلق. وليكن دعاؤه بالحفظ والبركة.
وللحامل قد يكون الحلم انعكاساً طبيعياً لما تمر به من انشغال القلب بكل ما هو غالٍ وهش، فالخوف على ما نحب شعور إنساني مألوف في تلك المرحلة. وليس في ضياع البيض في المنام ما يدل على شيء يخصها أو يخص أحداً بعينه. ويكفي أن تعتني بنفسها وراحتها وأن تعرض ما يقلقها على الطبيبة المختصة. والأحلام في هذه الأيام تتأثر بالتعب والهرمونات والتفكير الكثير، فلا تستحق أن تُحمّل معنى ثقيلاً.
ومن اللطائف أن الإنسان قد يرى في منامه أنه فقد شيئاً ثم يستيقظ فيحمد الله أن الأمر كان في الحلم فقط، وفي هذا درس صغير في تقدير ما بين أيدينا من نعم. فقد تدفعنا الصورة إلى النظر في ما نملكه من صحة وأهل ووقت وعمل ونعمة بسيطة ننساها في زحمة الأيام. وإذا تأملنا ذلك بصدق خرجنا من الحلم بامتنان لا بخوف. وبهذا يتحول المشهد المقلق إلى فرصة للتذكير بالشكر والحفظ.
وفي الختام، فإن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يخطئ المفسر فيه ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. والأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله. وما تخفيه الأيام من علم الله وحده. والله أعلم.
