قد يرى الإنسان في منامه بيض السمان، ذلك البيض الصغير المنقط بالبقع البنية الذي يُباع في علب صغيرة أو يُقدَّم في الأطباق المميزة. وهو بيض يلفت النظر بصغره ونقوشه، وربما كان الحالم قد رآه في سوق أو على مائدة قبل نومه. ومن الجائز أن يكون الحلم صدى لذلك فحسب. وإن أراد التأمل الرمزي فليتذكر أن التأويل ظني واجتهادي لا يخبر بالغيب، وأن غاية ما نذكره هو الاستئناس بصور الرموز.
والسمّان طائر صغير الحجم، وبيضه أصغر من بيض الدجاج بكثير، ولذلك يوحي رمزياً بالأشياء الصغيرة الدقيقة التي لا يُلتفت إليها لكنها ذات قيمة. فقد يُنظر إلى الحلم على أنه تذكير بالتفاصيل الدقيقة في حياة الرائي، أو بفرص صغيرة قد لا تبدو مهمة لكنها تحمل نفعاً. كما قد يعبّر عن النفاسة في الصغر، فبعض الأشياء الصغيرة غالية الثمن. وللنقوش على القشرة معنى جمالي قد يرمز إلى التفرد والتميز. وكل ذلك تأويل عام قابل للاختلاف.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتناقله الناس، أن القليل من الرزق قد يشير إليه صغر الأشياء في الرؤيا، وأن البيض عموماً يرتبط بالمنفعة اليسيرة. ولا نعلم أن المتقدمين خصّوا بيض السمان بكلام صريح يُعتمد عليه، وقد يكون ما يُتداول اليوم من تفسيرات خاصة به متأخراً. فنحن نقيس هنا على الأصل العام بحذر شديد، ونقر بأن القياس لا يعدو أن يكون اجتهاداً. والأولى أن نقرأ هذه الكلمات بوصفها تأملات لا أحكاماً.
ويتغير المعنى بحسب حال البيض. فإن كان سليماً جميل النقش فقد يوحي بالتميز والنفع، وإن كان مكسوراً أو ناقصاً فقد يوحي بفرصة قد تفوت إن لم يحسن الاعتناء بها. وإن كان كثيراً في علبة فقد يوحي بتعدد الفرص الصغيرة، وإن كان قليلاً فبالندرة. وإن كان الحالم يأكله فقد يوحي بانتفاعه من شيء صغير مميز، وإن كان يتأمله فقط فقد يوحي بالإعجاب بما هو بعيد المنال. وكذلك شعور الحالم هو أهم ما يُعتمد عليه في فهم الرؤيا.
وللمرأة المتزوجة قد يكون المنام انعكاساً لاهتمامها بالتفاصيل الصغيرة التي تُحسّن حياة أسرتها، مثل لمسات الضيافة أو الأطعمة المميزة. وللفتاة العزباء قد يعبّر عن حب الأشياء الدقيقة الجميلة وعن رغبتها في التميز. وللرجل قد يوحي بأن في عمله تفاصيل صغيرة تحتاج إلى عناية أكبر، وللتاجر قد يعكس بضاعة صغيرة نفيسة. وللمصمم أو الحرفي قد يكون صدى لعمل دقيق. وهذه قراءات تقريبية لا أكثر.
ومن الدقائق أن يتأمل الحالم حجم البيضة بالنسبة ليده: فإن كانت تبدو صغيرة جداً بالمقارنة فقد يكون ذلك إشارة إلى الإحساس بصغر الأمر الذي يشغله. وإن كان يحمل عدداً منها في كفه فقد يعبّر عن جمع الفرص الصغيرة. كذلك بقع القشرة، إن كانت واضحة فقد توحي بالفرادة. وإن رأى بيض السمان مع بيض الدجاج فقد يوحي بتنوع الأحجام والفرص. وهذه الجزئيات لا تعدو أن تكون خواطر.
وفي هذا الحلم لفتة جميلة إلى قيمة القليل: فكم من عمل صغير أثمر خيراً كثيراً، وكم من كلمة طيبة غيّرت يوماً كاملاً. وكم من صدقة يسيرة نفعت صاحبها وغيره. وهذا يشجع الإنسان على ألا يحتقر شيئاً من الخير مهما صغر، فإن الصغائر المتراكمة تصنع الكبير. ويمكن للحالم أن يبدأ بخطوة صغيرة نافعة في يومه، وهو أفضل ما يصنعه تجاه أي رؤيا.
ومن الجانب النفسي، قد يعبّر الحلم عن حاجة إلى الانتباه للتفاصيل أو إلى الاعتزاز بالأشياء الصغيرة في حياته، وقد يكون الحالم ممن يهمل ما بين يديه ويتطلع إلى ما هو أكبر. وقد يذكّره الحلم بأن السعادة غالباً ما تكمن في الأمور البسيطة، وأن الامتنان للقليل يفتح باب الرضا. ويمكن أن يدعوه إلى الاهتمام بما حوله من نعم صغيرة، من صحة وبيت وصحبة طيبة. وهذه حكمة تستحق التأمل مع كل صباح.
وقد يستحضر بعضهم أن بيض السمان يُقدَّم عادة بكميات صغيرة وبعناية، مسلوقاً أو مقلياً أو مزيناً، فيوحي ذلك بالضيافة الراقية واللمسات الخاصة. فإذا رأى الحالم أنه يقدّمه لضيوفه فقد يعبّر عن حرصه على إكرامهم بما هو متميز. وهذا يتصل بالأخلاق الحسنة أكثر مما يتصل بالتنبؤ. فإكرام الضيف من شيم الكرام، ومن أحسن إلى ضيفه أحسن إلى نفسه وبيته.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يتخذ الإنسان منه أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل. وأحسن ما يفعله المسلم أن يدعو الله بالخير ويحسن الظن به ويمضي في عمله مطمئناً. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما كتبناه رموز للتأمل لا غير. والله تعالى أعلم.
