يحدث أن يرى بعض الناس البيض في منامهم مرة بعد مرة، في ليالٍ متفرقة أو متتابعة، بصور متشابهة أو متنوعة، فيتساءلون عن سبب هذا التكرار. وهذا شائع في عالم الأحلام، إذ يميل الذهن إلى إعادة الصور التي ارتبطت بمشاعر أو انشغالات لم تُحسم. وينبغي أن نذكر من البداية أن تكرار الحلم لا يعني أنه نبوءة، وأن ما يُقال في معناه تأمل احتمالي لا يُجزم به. فلنقرأ الأمر بهدوء ونلتمس فيه ما ينفع.
الذي يلاحظه المهتمون بالأحلام أن الصور المتكررة كثيراً ما تدل على موضوع يشغل النفس وتعود إليه من جانب بعد آخر دون أن يجد حلاً أو قراراً. والبيض في رموزه المتداولة يرتبط بالبدايات والكامن والرزق اليسير والبيت والهشاشة. فتكراره قد يُفهم على أن في حياة الرائي أمراً في طور التكوين، أو مشروعاً أو علاقة أو فكرة لم تنضج بعد، وما زال ذهنه يدور حوله. وهذا أقرب إلى تفسير نفسي واقعي من أن يكون تفسيراً غيبياً.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن تكرار الرؤيا قد يدل على اهتمام الرائي بمضمونها أو على تأكيد معناها بحسب حاله، وأن المفسر ينظر في تفاصيلها وملابساتها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتكرر في المنام يشير إلى ما استقر في النفس من خاطر. وقال بعض المفسرين إن الأحلام التي تأتي من حديث النفس لا تحتاج إلى تأويل غيبي. واختلفوا في ذلك، فلا يصح أن يُجعل تكرار الحلم دليلاً على وقوع شيء.
ويتغير المعنى بحسب صورة التكرار: هل هو تكرار الصورة نفسها بحذافيرها أم تنوع في مشاهد البيض، وهل يتكرر في أوقات معينة كضغط عمل أو مناسبة. وبحسب مشاعر الرائي في كل مرة، أمطمئن هو أم قلق. فإن كان تكراره مصحوباً بسكينة فهو أقرب إلى انشغال هادئ، وإن كان مصحوباً بقلق فهو أقرب إلى هم يحتاج إلى معالجة. ولكل قارئ حالة تخصه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل التكرار على أن لديها أمراً مؤجلاً يشغل بالها، كقرار دراسي أو مهني أو شخصي. وقد يكون دعوة إلى جلسة صدق مع النفس وكتابة الخيارات. ومن الحكمة أن تستشير أهل الخبرة. وليس في الحلم خبر.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط التكرار بانشغال دائم بأمر من أمور البيت أو الأسرة، فتعود إليه الأحلام لأن الواقع لم يمنحه حلاً. وقد يدعوها إلى تخصيص وقت لهذا الأمر ومعالجته. وفي ذلك راحة نفسية. ولا يدل على أمر محدد.
وللرجل أو التاجر قد يدل التكرار على مشروع أو التزام يدور في رأسه، فيدعوه إلى أن ينظمه بخطة واضحة ويخرجه من دائرة التفكير المستمر إلى دائرة العمل. وقد يتصل بحسابات متعلقة بالمال. وهو استئناس لا جزم.
وللحامل ينبغي أن يقال إن الأحلام المتكررة في تلك الفترة من الأمور الشائعة جداً، لأن النوم يتأثر وتزداد حيوية الأحلام وتذكرها. فلا يُحمّل تكرار البيض معنى يخص حملها بأي حال. وتنفعها الراحة وتنظيم النوم واستشارة الطبيبة في ما يقلقها. والأحلام لا تغني عن الطب.
ومن التفاصيل التي تعين على الفهم: ما الذي يتغير بين مرة وأخرى، وهل ثمة عنصر ثابت كاللون أو المكان أو الشخص، وهل يحدث الحلم قبل حدث معين. فالعنصر الثابت يشير إلى الموضوع الأصلي، والتغير في التفاصيل يشير إلى تطور مشاعر الرائي تجاهه. وإن ارتبط بوقت معين فربما كان للضغط أو التوقيت أثر. ويفيد تدوين الأحلام لفترة قصيرة لاكتشاف النمط. وكل ذلك قراءات ظنية.
وفي الجانب العملي والنفسي، يدعو التكرار إلى سؤال لطيف: ما الأمر الذي ما زلت أؤجله أو أخشى أن أقرر فيه. فإذا وجد الرائي جواباً وبدأ في خطوة صغيرة نحوه خف إلحاح الحلم في الغالب. كما أن تنظيم النوم وتخفيف الشاشات قبل النوم وذكر الله يساعد على صفاء الأحلام. وإن كان التكرار مزعجاً جداً أو مصحوباً بقلق شديد في اليقظة فليستشر أهل الاختصاص.
وقد يتساءل بعضهم هل يعني التكرار أن الرسالة مهمة جداً، والجواب أن أهمية الأمر تُقاس بواقع الحياة وأولوياتها لا بعدد مرات الحلم. فالرؤيا ليست مصدراً مستقلاً للمعرفة، والعاقل يزن الأمور بعقله وشرعه واستشارة أهل الرأي. وفي ذلك سلامة من الوسوسة والتعلق بالأوهام. فالتكرار قد يكون مجرد عادة عقلية.
وفي الختام، فإن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يخطئ المفسر فيه ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة، مهما تكرر الحلم. والأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله. وما يستره الغد من علم الله وحده. والله أعلم.
