قد يرى المريض في منامه بيضًا يُقدَّم له أو يحمله أو يراه في مطبخ بيته، فيتساءل عن معنى ذلك وهو في حال من التعب والانشغال بصحته. ونقول له أولًا بكل لطف إن الأحلام لا تحمل خبرًا عن شفاء ولا عن مرض، وإن تفسيرها رمزي تقريبي يُقصد به التأمل والتسلية الطيبة لا غير. فالمريض يمر عليه من الأفكار والمخاوف والأمنيات ما يجعل أحلامه مزدحمة بصور الطعام والبيت والعافية. ومن ثم فإن رؤية البيض قد تكون صدى بسيطًا لحديث عن الغذاء أو لرغبة في الراحة والرعاية.
والبيض في رموز الأحلام يوحي عند كثير من الناس بالرفق، فهو شيء رقيق يحتاج إلى حفظ، وبداخله حياة صامتة تنمو بعيدًا عن الأنظار. وهذا المعنى قريب من حال المريض الذي يحتاج إلى لطف ورعاية وصبر على مرور الأيام. وقد يرى بعضهم في البيض إشارة إلى الغذاء الطيب والرزق اليسير والبيت الدافئ، وكلها معانٍ مريحة للنفس. ولا بأس أن يأخذ المريض من هذه المعاني ما يبعث في قلبه الهدوء، دون أن يجعلها وعدًا أو تنبؤًا بشيء. فالأمل الحقيقي معلق بالله وحده، ثم بالأسباب المشروعة من علاج ومتابعة.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يتداوله أهل التعبير أن البيض قد يدل على رزق يسير أو على امرأة أو على أمر مكتوم لم يتضح. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البيض الجيد أقرب إلى الخير من الفاسد، وأن المطبوخ أنفع في المعنى من النيئ. ومع ذلك اختلف المفسرون في ذلك، ولم يجعلوا هذه الأقوال قطعية، بل قالوها على سبيل الاجتهاد. وليس في كتبهم ما يصح أن يُتخذ دليلًا على حال مريض بعينه، فالأمراض والعافية شأن يتعلق بقدر الله وبعلم الأطباء. فمن الحكمة ألا يُحمّل الحلم أكثر مما يطيق.
ويختلف المعنى الرمزي باختلاف حال البيض في الحلم، فالبيض النظيف الأبيض قد يوحي بالصفاء والطمأنينة، والمكسور قد يوحي عند بعضهم بإحساس الضعف الذي يشعر به المريض في بعض الأيام. وليس هذا الشعور عيبًا ولا علامة على شيء، فهو من طبيعة التعب. والبيض المطبوخ المقدّم بعناية قد يرمز إلى الرعاية التي يتلقاها من أهله وأحبته. وانظر إلى شعورك في الحلم، فإن كنت مرتاحًا فهذا يوافق حاجتك إلى السكينة، وإن كنت متعبًا فلا يعني ذلك سوى أن الجسد والنفس يطلبان شيئًا من الراحة.
وإذا رأى المريض أن أحد أهله يُحضّر له البيض ويقدمه إليه، فقد يكون ذلك أثرًا لما يحيط به من عناية ومحبة، وقد يوحي بأن حوله من يهتم لأمره. وإذا رأى أنه يأكل البيض بشهية فقد يكون ذلك انعكاسًا لرغبته في استعادة نشاطه الطبيعي وطعامه المعتاد. وإذا رأى أنه يجمع البيض في سلة فقد يوحي ذلك بالرغبة في ترتيب أموره وتهيئة نفسه لأيام أفضل. وهذه كلها معانٍ نفسية لطيفة، لا أحكام، والمقصود منها تقوية الأمل وحسن الظن بالله.
وللمريضة من النساء أن تفهم الحلم بالطريقة نفسها، فقد يكون البيض في منامها تعبيرًا عن اهتمامها ببيتها وأولادها وقلقها عليهم أثناء مرضها. وقد تحتاج إلى أن تطمئن إلى أن من حولها يقومون بما يلزم، وأن راحتها جزء من الخير الذي يعود على الأسرة. وللرجل المريض الذي انشغل بعمله وتجارته قد يأتي البيض صورة لما يفكر فيه من رزق ونفقة، وله أن يطمئن إلى أن رزقه بيد الله وأن الأسباب ستتيسر. وإن كان الراقد في المستشفى فقد يكون الحلم أثر المكان والطعام وما يسمعه من حديث.
ومن الدقائق التي يهتم بها بعض الناس عدد البيض وهيئته ولونه، لكن هذه التفاصيل في حال المريض لا ينبغي أن تُثقل عليه بحثًا ولا حسابًا. فالأولى أن يترك الحلم ويشتغل بما ينفعه من ذكر ودعاء وصلاة على قدر استطاعته. وإن كان قد رأى البيض في موضع غريب أو بحال عجيبة فذلك من طبيعة الأحلام التي تخلط الصور بلا ترتيب. وليس كل ما يمر في النوم يحمل رسالة، فكثير منه حديث نفس وبقايا نهار. وهذا مما يخفف على النفس ولا يزيدها إشغالًا.
وعلى المستوى النفسي قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى الصبر على التعافي، فكما أن البيضة تحتاج إلى دفء وهدوء، يحتاج الإنسان في مرضه إلى راحة ومتابعة وعدم استعجال. وليكن شعاره أن كل يوم يمر هو خطوة، وأن الاعتناء بالنفس وطاعة نصائح الطبيب من حسن التوكل. ومن الجميل أن يحيط المريض نفسه بكلمات طيبة وصحبة مريحة وقراءة ما تسكن به نفسه. وإن استطاع أن يشكر من يخدمه ويدعو لهم فذلك أثره حسن عليه وعليهم. فالنفس إذا هدأت كان ذلك عونًا لها على احتمال ما تمر به.
وفي الختام فإن تعبير الرؤى اجتهاد بشري ظني، لا يُعتمد عليه في أمر الصحة والمرض ولا في أي قرار حقيقي، والمرجع في العلاج إلى الأطباء وأهل الاختصاص مع التوكل على الله. فمن رأى ما يسره فليحمد الله، ومن رأى ما يقلقه فليدعُ ربه ويحسن الظن به ولا يلتفت إلى الوساوس. والغيب مما اختص الله بعلمه، فهو الذي يعلم ما في الصدور وما تخفيه الأيام، وهو الشافي المعافي. نسأل الله أن يمنّ على كل مريض بالعافية، وأن يجعل ما يصيبه رفعة وطمأنينة ورحمة.
