قد يشم الإنسان في منامه رائحة بيض، قد تكون رائحة بيض مسلوق دافئة تملأ المطبخ، أو رائحة بيض مقلي، وربما رائحة نفاذة غير مستحبة. وهذه الحاسة قلّما تتبع النائم في الأحلام، فإذا حضرت لفتت الانتباه وبقيت في الذاكرة. وما يُقال في دلالتها قراءة رمزية احتمالية لا يُجزم بها، ولا يتجاوز كونه تأملاً لطيفاً في صورة من الصور. فلنتناولها بروح الهدوء.
الرائحة في الرموز عند بعض المهتمين ترتبط بما يُستشعر قبل أن يُرى، كالخبر الذي يسبق صاحبه أو السمعة التي تسبق الإنسان. والبيض يرتبط بالبدايات والرزق اليسير والبيت. فإذا جاءت الرائحة وحدها دون رؤية البيض فقد يُفهم ذلك على أنه إحساس مبكر بأمر لم يظهر بعد، أو ذكرى تعود بحنين إلى مطبخ قديم. وبحسب نوع الرائحة تختلف النغمة.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن الروائح في المنام قد تدل على الذكر بالخير أو بغيره بحسب طيبها وخبثها، وأن الرائحة الطيبة تُحمل على السمعة الحسنة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرائحة تدل على الخبر الذي يصل صاحبه بحسب نوعها. وقال بعض المفسرين إن رائحة الطعام الطيب قد تدل على رزق قريب، وأوّلها بعضهم على غير ذلك. وأقوالهم متباينة فلا تُجعل قاطعة.
ويتغير المعنى بحسب نوع الرائحة: فرائحة البيض المسلوق الدافئ المحبب إلى النفس تختلف عن رائحة بيض فاسد منفرة. وبحسب مصدرها، أهي من مطبخ بيت الرائي أم من مكان غريب. وبحسب الشعور، أأعجبته فاشتهى الأكل أم نفر وابتعد. فالطيبة تميل إلى الدفء والألفة، والمنفرة تميل إلى الانزعاج من أمر يحتاج إلى معالجة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تعبّر الرائحة الطيبة عن حنين إلى جو الأسرة والبيت، أو عن شعور بقرب خبر مفرح يتمنى القلب. والرائحة المنفرة قد تعبّر عن تضايق من أجواء معينة. ومن الحكمة أن تصغي لمشاعرها وتختار بيئة مريحة. وليس في الحلم خبر.
وللمرأة المتزوجة قد ترتبط الرائحة بأعمال المطبخ والبيت، وبحال البيت من دفء أو إهمال. وقد تحمل عند بعضهم معنى خبر يصل إلى الأسرة. ومن الطيب أن تنظر في ما يشغلها من شؤون بيتها وتخفف عن نفسها. ولا يدل الحلم على أمر محدد.
وللرجل أو التاجر قد ترتبط الرائحة بالسمعة والحديث عن عمله بين الناس، فالرائحة الطيبة تذكّر بحسن الصيت والمنفرة بضرورة تحسين صورة معينة. وهذا دعوة إلى حسن الخلق والدقة في العمل. وليس فيه نذير. فالسمعة الطيبة تُبنى بالفعل لا بالحلم.
وللحامل ينبغي أن يُذكر أن حساسية الشم وتغير الذوق من الأمور المعروفة في تلك الفترة، فلا غرابة أن تظهر الروائح في أحلامها. فلا يُحمّل المشهد معنى يتجاوز ذلك ولا يدل على شيء من أمر الحمل. وتنفعها استشارة الطبيبة في أي أمر صحي يقلقها. والأحلام تعكس هذه الحساسية.
ومن التفاصيل: شدة الرائحة وهل زادت أم خفت، وهل كانت من فوق النار أم من بيضة مكسورة، وهل ارتبطت بمكان أو شخص معين، وهل أتبعها الرائي ليعرف مصدرها. فمن تتبع الرائحة قد يرمز ذلك إلى فضول وبحث عن خبر، ومن أعرض عنها إلى عدم اكتراث. والرائحة المرتبطة بشخص قد تتصل بذكره عنده. وكل ذلك قراءة ظنية.
وفي الجانب النفسي والعملي، يذكّر هذا الحلم بأن الحواس تحمل ذاكرتنا وأن الروائح تعيد إلى النفس أياماً بعيدة، فقد يكون الحلم حنيناً إلى مائدة أو أسرة أو زمن. ويمكن للرائي أن يستثمر ذلك في التواصل مع أهله ومن يحب. كما يمكنه أن يتعاهد بيته ومحيطه بالنظافة والعناية. وليكن دعاؤه بالبركة في بيته وعمره.
وقد يكون من الفوائد أيضاً أن الإنسان يتأمل ما يشغله من أخبار تنتظرها نفسه، فيستعد لها بقلب هادئ سواء جاءت أم لم تأتِ. فالانتظار القلق يستنزف الطاقة، والانتظار المتوكل يمنح الطمأنينة. وهذا معنى سلوكي مفيد مهما كان تأويل الرائحة. وليس فيه استعجال للغيب.
ومن اللطائف أن الرائحة هي أقرب الحواس إلى الذاكرة العاطفية، فكثيراً ما تستدعي رائحة بسيطة صورة جدة تطبخ أو صباحاً في بيت قديم أو رحلة في الطفولة. ولهذا قد يكون الحلم برائحة البيض أقرب إلى حنين صامت منه إلى رمز مستقبلي. وإذا شعر الرائي بدفء وهو يستنشقها فذلك دليل على أن المنام يلامس مخزوناً من المودة في نفسه. ويمكنه أن يستثمر هذا الشعور في زيارة قريب أو الاتصال بمن يفتقد.
وقد يقع كذلك أن تكون الرائحة في الحلم انعكاساً لرائحة حقيقية تتسلل إلى الغرفة أثناء النوم، فيدمجها الدماغ في سياق الحلم. وهذا مألوف في علم النوم، فالحواس لا تنقطع كلياً حين ننام. وإدراك هذا الأمر يخفف عن النفس عناء البحث عن دلالات بعيدة. وبذلك يعرف الرائي أن بعض الأحلام بسيطة أصلها وسببها قريب.
وفي الختام، فإن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يخطئ المفسر فيه ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. والأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله. وما يحمله الغد من علم الله وحده. والله أعلم.
