قد يتذوق الإنسان في منامه طعم بيض، فيجده لذيذاً مالحاً أو متبلاً، أو يجده باهتاً أو غير مستساغ. والتذوق في الأحلام مما يدل على أن للمشهد حضوراً حسياً قوياً، فيعلق في الذاكرة ويثير التساؤل. وكل ما يُقال في تأويله قراءة رمزية احتمالية، لا يُجزم بها ولا يُبنى عليها شيء. وحسبنا أن نتأمل ما قد توحي به الصورة من معان لطيفة.
الذوق في الرموز عند بعض المهتمين يرتبط بالتجربة المعيشة، أي بمعايشة الأمر لا بمشاهدته فقط. والبيض يرتبط بالبدايات والرزق اليسير والبيت. فحين يذوقه الرائي فكأنه يخوض تجربة قريبة من هذه المعاني، ويقيّم مذاقها. فإن كان الطعم حسناً فقد يُقرأ على أنه رضا عن تجربة أو بداية، وإن كان رديئاً فقد يُقرأ على أنه عدم ارتياح لأمر ما. وهذه القراءة تبقى نفسية في جوهرها.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن الطعام الطيب في المنام قد يدل على نعمة ورزق بحسب حاله، وأن الطعام المكروه قد يدل على ضد ذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مذاق ما يتناوله الرائي يُنظر فيه إلى أثره عليه. وقال بعض المفسرين إن أكل البيض في المنام قد يرتبط بالمال القليل أو بما يتحصل من تعب، وأولّه آخرون على أوجه أخرى. واختلفوا فلا قطع بشيء.
ويتغير المعنى بحسب الطعم: فالمالح المتوازن يختلف عن الباهت، والطازج المحبب يختلف عن المتغير. وبحسب نوع الطهي من مسلوق أو مقلي أو مخفوق. وبحسب من يتذوق معه، وحال الرائي من جوع أو شبع. ومن استمتع بالطعم فالأمر إلى الرضا أقرب، ومن تجهم فإلى الحذر.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الطعم الطيب عن رضا عن مرحلة تمر بها أو عن بدء تجربة مبهجة، ويعبّر الطعم الرديء عن عدم ارتياح لشيء تُدفع إليه. وفي ذلك دعوة إلى أن تصغي لنفسها عند الاختيار. ولا يدل الحلم على خبر. وهو من باب التأمل.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط الطعم بأمور المطبخ والبيت وبقبول الأسرة لجهدها. فالمذاق الجيد قد يرتبط بشعور بالرضا عما تصنعه، والرديء بشعور بعدم التقدير أو بضغط الطبخ والتحضير. وتنفعها الراحة والتخفيف عن نفسها. وليس فيه أكثر من ذلك.
وللرجل أو التاجر قد يرتبط الطعم بتقييم تجربة تجارية أو عمل، أطيب هو المذاق أم مرّ. وقد يدعوه إلى مراجعة ما يتذوق من ثمار جهده بتأنٍّ. وفي ذلك استئناس لا جزم. فالحكم على الأعمال يكون بالنتائج الواقعية.
وللحامل ينبغي أن يُقال إن تغير الذوق في أحلامها قد يكون انعكاساً لتغيرات الحس المعروفة في تلك المرحلة، ولا يدل على شيء يخص الحمل. وأي أمر يتعلق بالغذاء والصحة يُسأل عنه الطبيبة. فلا يُحمّل الحلم أكثر مما يحتمل. وتنفعها الراحة والطمأنينة.
ومن التفاصيل: هل شعر الرائي بالشبع أم بقي جائعاً، وهل كان الطعم متغيراً بين اللقمة الأولى والأخيرة، وهل أخذ لقمة وتركها. فالشبع قد يرمز إلى اكتفاء، والجوع إلى بقاء الرغبة، والتغير في الطعم إلى تبدل في التقييم مع الوقت. ومن ترك اللقمة قد يعبّر عن عدم رغبة في المتابعة. وهذه كلها قراءات ظنية.
وفي الجانب العملي والنفسي، يدعو الحلم إلى أن نسأل أنفسنا عن مذاق ما نعيشه من أمور في يومنا، أمتعة هي أم عبء، وهل نحن راضون عنها. كما يذكّرنا بقيمة الشكر على الطعام وعلى نعمة الإحساس بالمذاق. ويمكن للرائي أن يخصص وقتاً لما يمنحه الفرح الصادق من أعماله وعلاقاته. وليكن دعاؤه بالبركة في الرزق والرضا.
وقد يلاحظ الإنسان أن أحلام التذوق تتأثر كثيراً بما أكله في يومه أو حرم نفسه منه، فربما كان الأمر انعكاساً لشهية أو ذكرى. وهذا من أبسط تفسيرات الأحلام وأقربها، وكثيراً ما يكون هو الصواب. فلا يحتاج الرائي إلى البحث عن معنى عميق في كل مرة. وفي ذلك راحة من التكلف.
وتجدر الإشارة إلى أن الطعم في الحلم قد يكون ضعيف الوضوح أحياناً، فكثير من الناس لا يتذكرون مذاق ما أكلوه في المنام بل يتذكرون المنظر فقط. فإذا تذكر الرائي الطعم بدقة فقد يكون ذلك مؤشراً إلى قوة التأثر العاطفي بالمشهد، فيستحق مزيداً من التأمل. وإن لم يتذكره فلا حاجة إلى التكلف. فالتأويل الصادق يبدأ مما يتذكره الرائي فعلاً لا مما يُفترض أن يكون.
وفي المقابل، يمكن أن يكون الطعم في المنام تعبيراً عن حاجة الإنسان إلى لحظات من التلذذ البسيط في حياة مزدحمة بالمهام. فكثير منا يأكل على عجل ولا يتذوق، ويعيش أياماً دون أن يتلذذ بتفاصيلها. وقد يكون المنام دعوة لطيفة إلى التمهل والاستمتاع بالنعم الصغيرة وشكر الله عليها. وهذا معنى جميل يعود بالخير على القلب، مهما اختلفت الأقوال في الرموز.
وفي الختام، فإن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يخطئ المفسر فيه ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو العمل أو الأسرة. والأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله. وما يخبئه الغد من علم الله وحده. والله أعلم.
