قد يرى الإنسان في منامه أنه يرمي بيضاً، فيقذفه على جدار أو في الهواء أو باتجاه شخص ما، فيتناثر قشره وما فيه. وهذا الحلم يختلف عن غيره من أحلام البيض بأن للرائي فيه دوراً فعالاً، وكثيراً ما يرافقه شعور بالانفعال أو الإحساس بالتخفف. ومن اللازم أن نذكّر بأن الأحلام لا يُحاسب عليها الإنسان، وأن ما نذكره هنا قراءة رمزية احتمالية. فلا يُنظر إلى الرمي على أنه سلوك مذموم بل هو صورة نفسية.
البيض في رموز الأحلام يمثل شيئاً هشاً مخبوءاً، وهو عند بعضهم رمز للرزق اليسير وللبدايات ولما يُعتنى به. ورميه يعني التفريط في هذه الهشاشة أو التعبير عن غضب أو ضيق أو رغبة في التخلص من شيء يثقل الصدر. وقد يكون في الحلم تفريغ لشحنة انفعالية لم تجد مكاناً مناسباً في اليقظة. وهذا من وظائف الأحلام في كثير من الأحيان، فهي تمنح النفس مساحة آمنة للتعبير.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن ما يُرمى في المنام يُنظر فيه إلى المرمي والمرمي إليه، وربما دل على كلام أو أذى لفظي أو إلقاء أمر عن النفس. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن القذف في الرؤيا قد يتصل بالقول في الناس أو بإبعاد الشيء عن النفس بحسب حاله. وقال بعضهم إن ما يُرمى من الأشياء الهشة قد يدل على تفريط في أمر ثمين. وقد اختلفوا في ذلك فلا قطع بشيء.
ويتغير المعنى بحسب مكان الرمي وهدفه: فإن رمى على جدار فقد يكون تنفيساً، وإن رمى في الهواء فقد يكون احتفالاً أو لعباً، وإن رمى على شخص فقد يرتبط الأمر بخلاف معه أو بكلام قاله أو سمعه. ويهم شعور الرائي بعد الرمي، أهو ارتياح أم ندم. كما يهم عدد البيض وحاله، وهل كان نيئاً أم مسلوقاً. وكل ذلك يلون الصورة بألوان مختلفة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن ضغط من توقعات الآخرين، أو عن رغبة في التحرر من قيد أو لوم. وقد يكون دعوة إلى أن تجد وسيلة صحية للتعبير عن مشاعرها، كالكتابة أو الحديث. ولا يدل على شيء من واقعها. والأفضل أن تتعامل مع انفعالاتها بحكمة.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط المشهد بضيق مكتوم من أعباء البيت أو خلاف صغير لم يُحسم. وقد يكون تعبيراً عن رغبة في أن تُسمع. ومن الحسن أن تختار الوقت المناسب للحديث بهدوء مع من تعنيهم، وأن تعطي نفسها فسحة للراحة. وليس في الحلم أكثر من هذا الظن.
وللرجل أو التاجر قد يرتبط الرمي بضغط العمل أو بقرار يُراد الرجوع عنه، أو بالتخلص من فكرة لم تنجح. وقد يكون فيه تحذير رمزي من التفريط في ما هو ثمين بسبب انفعال عابر. فالأحرى أن يقرر بعد هدوء. وهذا استئناس بالصورة وليس حكماً.
وللحامل قد تأتي هذه الصورة في إطار تقلبات المزاج والتعب الطبيعيين في تلك المرحلة، فلا يحسن تحميلها معنى زائداً. وهي تنفيس نفسي عابر. وينفعها أن تهتم براحتها وأن تعرض ما يقلقها على طبيبتها. ولا شيء في الحلم يدل على أمر مقدّر.
ومن التفاصيل: هل أصاب البيض هدفه أم أخطأ، وهل ضحك الرائي أم غضب، وهل ردّ عليه أحد، وهل نظّف المكان بعد ذلك. فمن نظّف المكان قد يكون ضميره يقظاً، ومن ضحك قد يكون الأمر لعباً. وإن رد عليه أحد فقد يتصل ذلك بحوار أو خلاف قائم. وكلها احتمالات قابلة للتغير.
وفي الجانب العملي يدعو هذا الحلم إلى أن نتعرف على ما يضغط علينا ونجد له متنفساً هادئاً، كالمشي والكتابة والحديث مع من نثق به. وفيه تذكير بأن الانفعال العابر لا ينبغي أن يدفعنا إلى التفريط في ما نحب. ويمكن للرائي أن يتأمل ما يحمله من غضب أو ضيق ويتعامل معه بصبر. وليكن دعاؤه بالسكينة وراحة البال.
ومما يُلاحظ في أحلام الرمي عموماً أنها كثيراً ما تأتي بعد يوم مليء بالمشاحنات الصامتة أو الكلمات التي لم تُقل. فالنفس تحمل ما لا تقوله، وتستعين بالمنام لتفرغه على هيئة مشهد غير ضار، فبيضة تتحطم أهون بكثير من كلمة جارحة تُقال. وبهذا المعنى يمكن اعتبار الحلم صماماً للأمان لا مصدراً للقلق. وليتذكر الرائي أن الأهم هو ما يفعله في يقظته من تحكم بلسانه ويده، لا ما جرى في خياله.
وقد يرى بعضهم في الرمي معنى التخلص من أمر قديم حان وقت تركه، كعادة أو علاقة متعبة أو فكرة لا تنفع. وهذا معنى إيجابي إن اقترن بشعور الخفة بعد الاستيقاظ. أما إن اقترن بالندم فربما كان تنبيهاً إلى ضرورة التروي قبل التخلي عن شيء قيّم. وهكذا يتبين أن الشعور المصاحب للحلم أهم من تفاصيل الحركة نفسها، فهو مفتاح الفهم الأقرب إلى حال الرائي.
وفي الختام، فإن تأويل الرؤى اجتهاد بشري ظني، يخطئ المفسر فيه ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في العلاقات أو العمل أو المال. والأولى أن يقابل الإنسان رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله. وعلم الغد عند الله وحده. والله أعلم.
