قد يرى الحالم بيضاً أبيض ناصع القشرة، نظيفاً لامعاً، في طبق أو سلة أو في يده، وهو لون مألوف في الكثير من البلدان. وقد يكون لهذا الحلم أثر مريح في النفس بسبب هدوء اللون ونقائه. وكثيراً ما يكون مصدره مجرد صورة عادية من السوق أو الثلاجة. وإن أراد الإنسان التأمل الرمزي فليتذكر أن التأويل اجتهاد ظني لا يخبر عن المستقبل، وأن ما نذكره تأملات هادئة قابلة للأخذ والرد.
والبياض في الرمزية العامة يرتبط بالصفاء والنقاء والبساطة والوضوح، ولذلك قد يُنظر إلى البيضة البيضاء على أنها بداية نقية لم تشبها شوائب. وقد يعبّر الحلم عن حاجة الرائي إلى صفحة جديدة، أو عن رغبته في الصراحة والوضوح في أمر يخصه. كما قد يحمل معنى السلامة والأمان النفسي. وهو يختلف في إيحائه عن البيض البني الذي يميل إلى الدفء والطبيعة، وإن لم يكن بين اللونين فرق في القيمة. فالتفريق هنا رمزي أدبي لا أكثر.
ونُسب إلى ابن سيرين، فيما يتناقله الناس عنه، أن البياض في الرؤيا قد يدل على الخير والصفاء وحسن الحال في الغالب، وإن اختلفت المواضع. وذهب بعض المفسرين إلى أن البيض عموماً يرتبط بالمال اليسير والأمر المستور. فإذا جُمع هذا إلى ذاك قيل إن البيض الأبيض قد يشير إلى منفعة نقية الأصل. وهذه عبارات عامة يختلف في تطبيقها المفسرون، ولا تصلح قاعدة ملزمة. فنحن نوردها لمجرد التعريف بما تداوله الناس.
ويتغير المعنى بحسب نقاء البياض ونظافته. فالبياض الناصع النظيف يوحي بسلامة الأمر وطيبه، وإن كان عليه بقع أو شقوق فقد يوحي بأن في الأمر شيئاً يحتاج إلى الانتباه. وإن كانت القشرة ناعمة لامعة فهي أقرب إلى الراحة، وإن كانت خشنة فهي أقرب إلى الجهد. كما أن وجود البيض الأبيض مع غيره من الألوان قد يوحي بتنوع، بينما انفراده قد يوحي بالبساطة. وشعور الرائي بالسكينة أمامه هو من أهم القرائن.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر البيض الأبيض عن نقاء نيتها وصفاء نظرتها إلى مستقبلها، أو عن رغبتها في بداية هادئة. وللمرأة المتزوجة قد يعكس حبها للنظافة والترتيب في بيتها وسعيها إلى الصفاء في علاقاتها. وللرجل قد يعبّر عن رغبته في تعامل واضح ونزيه. وللتاجر قد يكون انعكاساً لحرصه على نقاء مصدر كسبه. وهذه معانٍ جميلة، لكنها تبقى في دائرة التأمل لا الجزم، ولا تُبنى عليها توقعات.
ومن الدقائق أن يتأمل الحالم هل البيض الأبيض في بيئة نظيفة أم لا؟ فالبياض في بيئة نظيفة يزيد المعنى وضوحاً، والبياض الملطخ قد يوحي بأن النقاء يحتاج إلى محافظة. وكذلك هل البيض مرتب أم مبعثر؟ وهل هو بارد من الثلاجة أم دافئ من العش؟ فالدافئ قد يوحي بالقرب من المصدر والبدايات الحية، والبارد المحفوظ قد يوحي بالادخار. وإن كان معه ماء أو ملح فقد يلفت المعنى إلى تجهيزه للطعام. وهذه الجزئيات للتأمل فقط.
ومن المعاني الأخلاقية اللطيفة التي قد تتبادر للذهن أن النقاء ليس شيئاً يُنتظر، بل يُصان: فالقشرة البيضاء تتسخ بسرعة إن أُهملت. وكذلك نية الإنسان وسمعته وعلاقاته تحتاج إلى صيانة بالصدق والأمانة. فمن رأى بياض البيض فقد يتذكر قيمة الصفاء، ويحاسب نفسه بلطف على ما قد يكدّر هذا الصفاء. وهذا يوافق قيمنا الأخلاقية بغض النظر عن أي تأويل.
ومن الجانب النفسي، قد يعبّر اللون الأبيض عن الحاجة إلى الهدوء وتخفيف الضوضاء الذهنية، وعن رغبة في البساطة بعد فترة من التعقيد. وقد يعني ببساطة أن الحالم يمر بمرحلة يبحث فيها عن الراحة والوضوح. وقد يدعوه الحلم إلى تبسيط جدول أيامه وترك ما لا يلزم، والتركيز على الأهم. وهذا من الحكمة العملية التي يستفيد منها الجميع. والسكينة تأتي غالباً من البساطة وحسن الظن بالله.
وقد يتخيل الحالم أن البيض الأبيض يُوضع على طبق أبيض في مكان مضيء، فيزداد الإحساس بالصفاء، وهذا قد يعكس رغبة داخلية في الترتيب والهدوء. أما إن ظهر البيض الأبيض في مكان معتم فقد تتحول الدلالة إلى الاحتياج للوضوح وإلى زيادة المعرفة بأمر مستور. وهذا من باب التمثيل الأدبي لا التقعيد العلمي. ويكفي أن يستحضر الإنسان هذه المعاني ليسأل نفسه بصدق: هل أنا في حاجة إلى مزيد من الوضوح في أمر يشغلني؟ ثم يستعين بالله ويستشير أهل الرأي.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يجوز أن يكون أساساً لقرار حقيقي في الواقع. وأولى ما يفعله المسلم بعد أي رؤيا أن يدعو الله بالخير ويحسن به الظن ويمضي في سعيه. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما ذكرناه لا يتجاوز التأمل في رموز. والله تعالى أعلم.
