إذا رأى الرائي في منامه شيخًا كبيرًا يقترب منه، فإن الرؤيا تبقى رمزية لا حرفية، ولا تدل على حدث محدد قبل وقوعه. فالاقتراب في الأحلام صورة تحمل معنى الحضور والانتباه، وقد يعبّر عن استعداد الرائي لتلقي رأي أو الانتقال إلى مرحلة جديدة. وهو يتأثر بما شغل النفس في اليقظة من أفكار ومشاعر. ولذلك ينبغي أن تُقرأ الصورة بهدوء من غير تهويل أو جزم. ويبقى كل ما يُذكر قراءة محتملة على سبيل التأمل.
يرمز الشيخ الكبير في الرؤى إلى الخبرة الطويلة والوقار وتراكم التجارب، وإلى النصيحة الصادقة والذاكرة التي تحفظ العبر. واقترابه من الرائي قد يحمل معنى القرب من التوجيه أو من مرجع يُستأنس به. وقد يعكس إحساسًا بالحاجة إلى كلمة طيبة أو بالرغبة في أن يُصغى إليه برفق. وليس في هذا الرمز ما يوحي بأن الشيخ ثقل أو عبء، بل بمعنى الأنس الذي يمنحه أهل التجربة. وهذه دلالات عامة تتحدد بحال كل رائٍ.
نُسب إلى ابن سيرين أن الشيخ الوقور في المنام قد يدل على الهيبة والمكانة وبعد النظر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن حركة الشخصيات في الحلم، اقترابًا وابتعادًا، تؤثر في المعنى، وأن اقتراب الشخص الحسن الهيئة أقرب إلى معنى الخير. وتتفاوت أقوال المفسرين في هذا الباب ولا تتحد على قول واحد. وصورة الشيخ الذي يقترب على وجه التحديد أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيُكتفى فيها بالقياس والاستئناس. وكل ذلك اجتهاد لا يرقى إلى القطع.
للسياق أثر كبير في المعنى؛ فالشيخ الذي يقترب مبتسمًا غير الذي يقترب مسرعًا وعلى وجهه عبوس. وإذا حدث ذلك في البيت فقد يتصل المعنى بالأسرة وما يحتاجه الرائي من سند، وإذا حدث في الطريق فقد يرتبط بمرحلة سعي وتنقل. وشعور الرائي أثناء الاقتراب قرينة أساسية، فالارتياح يميل إلى قراءة مطمئنة، والتوتر يدل على انشغال يحتاج إلى فهم. فلا تُقرأ الصورة بمعزل عن الإحساس المصاحب لها.
للمرأة، عزباء كانت أو متزوجة، قد يرتبط الاقتراب برغبتها في رأي ناضج في أمر يخص بيتها أو دراستها أو مستقبلها. وقد يعكس تقديرها لكبار عائلتها وميلها إلى الإصغاء لنصحهم. وربما كان صدى لحاجتها إلى أنس واطمئنان في مرحلة تشعر فيها بكثرة المسؤوليات. وليس في ذلك دلالة جازمة على شخص بعينه أو واقعة محددة. فالمراد قراءة حال النفس لا الإخبار عن الغيب.
وللرجل أو الشاب قد يرتبط الاقتراب باستعداده لقرار مهني أو أسري يحتاج إلى مشورة، أو بحنينه إلى معلم أو قريب كبير كان يمنحه الثقة. وقد يعبّر عن تقدير للتجربة وميل إلى الاستفادة منها بعد فترة من الاندفاع. وربما كان صدى لحاجته إلى سند هادئ يخفف ضغط العمل. ولا يصح أن يُفهم من المنام وعد بنتيجة معينة أو إلزام بطريق محدد. فالقرارات تُتخذ بالدراسة والمشورة.
التفاصيل الدقيقة تعين على الفهم؛ فهل كان الاقتراب بطيئًا هادئًا أم سريعًا مفاجئًا، وهل كان وجه الشيخ مشرقًا أم عابسًا، وهل مدّ يده أو تكلم أو اكتفى بالنظر. والوجه المشرق والخطوة الهادئة يميلان إلى معنى الطمأنينة، والمفاجأة والاضطراب يميلان إلى القلق. وإذا جلس الشيخ قرب الرائي فقد يدل ذلك على استقرار الأنس. وما قاله الشيخ إن تكلم فالأهم فيه معناه العام، وكثيرًا ما يتلاشى عند اليقظة. ويحسن تدوين ما بقي في الذاكرة.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى فتح القلب للإصغاء إلى أهل الخبرة، وطلب مشورتهم في ما يشغل الرائي. فالجلوس إلى قريب كبير أو معلم قديم وسؤاله عن تجاربه يوسّع النظرة ويخفف الحيرة. والإنصات للكبار وبرّهم يمنحان النفس راحة ويصلان الأجيال بعضها ببعض. كما أن تخصيص وقت منتظم لزيارتهم أو الاتصال بهم يملأ الحياة أنسًا. وإن اشتد القلق من قرار قادم، فالكلام مع شخص ناضج موثوق يخفف الحمل.
ومما يحسن استحضاره أن الاقتراب في الأحلام ليس إشارة إلى حدث خارجي، وإنما هو في الغالب انعكاس لشعور داخلي بالقرب أو الحاجة. ولا ينبغي أن يجعل الرائي من الرؤيا سببًا لانتظار أمر معين أو توقع شيء بعينه. وإن شُبّه الشيخ بشخص حقيقي، فهو تشابه ملامح قد يحمله العقل، ولا يصح أن يكون اتهامًا لأحد أو خبرًا عنه. والأولى أن يأخذ منه معنى الاستعداد للتعلم من الكبار. وبذلك تبقى الصورة هادئة نافعة.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن النظر في الواقع وسؤال أهل الاختصاص عند الحاجة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يليق الجزم بما يخبئه المستقبل لأحد. فمن رأى هذه الرؤيا فليحسن الظن بربه، وليدعُ الله أن يرزقه السكينة والتوفيق في أمره كله. وليكن قلبه مطمئنًا، وليكن سعيه بالأسباب ومشورة الصادقين من أهل الخبرة.
