رؤية شيخ كبير يبكي في المنام صورة مؤثرة قد تترك في النفس شجنًا بعد الاستيقاظ. ومع ذلك فالرؤيا لغة رموز لا تُقرأ حرفيًا، والبكاء فيها لا يعني بالضرورة حزنًا حقيقيًا عند أحد ولا إنذارًا بشيء. وقد يكون البكاء في الأحلام تعبيرًا عن فرح أو شوق أو رقة أو تخفف من هم. ولذلك ينبغي النظر إلى الصورة بهدوء. وما يلي احتمالات عامة، تحتمل الصواب والخطأ، وتتفاوت بين الرائين.
الشيخ الكبير يرمز إلى الخبرة والوقار وطول التجربة، والبكاء في لغة الرموز قد يعبّر عن تفريغ مشاعر مكبوتة، أو رقة قلب، أو شوق، أو تأثر بموقف. وعند اجتماعهما قد تعكس الصورة تأثر الرائي بما يحمله الكبار من مشاعر لا يظهرونها، أو حنينه إلى أيام وأشخاص، أو حاجته هو إلى تنفيس عما في صدره. وقد تدل على إنسانية العلاقة بين الأجيال، فبكاء الكبير لا ينقص من وقاره بل يظهر رقته. ولا جزم في ذلك.
نُسب إلى ابن سيرين أن البكاء في المنام يُحمل في بعض الأبواب على الفرج أو الحزن بحسب هيئته، فالبكاء الهادئ بلا صياح يُنظر إليه بغير ما يُنظر به إلى النحيب، وفق ما ورد عنه بصيغ تتفاوت. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البكاء قد يدل على انشراح بعد ضيق في بعض الأحوال. ويختلف المعبّرون في ذلك اختلافًا واسعًا، كما أن الشيخ الباكي بعينه أقل تناولًا في الكتب القديمة. فتبقى الأقوال عامة ولا تُعتمد في الجزم.
للسياق أثر كبير. فإن كان البكاء هادئًا مصحوبًا بابتسامة أو دعاء فقد يعبّر عن تأثر أو شكر أو فرح، وإن كان نحيبًا وانكسارًا فقد يرتبط بهم عند الرائي أو قلق على أحد. وإن كان الشيخ يبكي أمام الرائي فقد يتصل بحاجة الرائي إلى أن يسمع ويُسمَع، وإن كان يبكي وحده فقد يرتبط بتأمل. ويُنظر كذلك إلى شعور الرائي: هل أراد مواساته أم انقبض صدره.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة هذه الصورة فقد تدل على رقة قلبها وتأثرها بحال كبار أسرتها، أو على مشاعر مختلطة تعيشها تجاه مرحلة انتقال. وإذا رأتها المتزوجة فقد تتصل بحنينها إلى أهلها أو بتأثرها بحال كبير في الأسرة، أو برغبتها في بكاء مكبوت تحتاج إلى تفريغه. وقد تكون صدى لموقف مؤثر عاشته. وكل ذلك احتمال يتأثر بظروف كل امرأة، ولا يستدعي الانزعاج.
وإذا رآها الرجل فقد تعكس مشاعر يخفيها بسبب طبيعة عمله أو عادته، أو تأثره بحال أب أو قريب كبير. وللشاب قد ترمز إلى حاجته لمن يسمعه ويفهم همه. وربما كانت صدى لمشهد مؤثر رآه في فيلم أو خبر. ويبقى ذلك من الاحتمالات، وليس في بكاء الشيخ في المنام ما يستدعي أن يُحمّل الرائي نفسه همًّا أو مسؤولية غير ما يطيق.
ومن التفاصيل الدقيقة طبيعة البكاء، أصامت دمعي أم بصوت، وسبب البكاء إن ظهر، وهل خفّ بعد قليل أم استمر، وهل كان الشيخ يتكلم أثناءه. ويُنظر كذلك إلى مكان المشهد والإضاءة وحضور آخرين، وإلى استجابة الرائي، أاقترب منه أم بقي بعيدًا. فالبكاء الذي ينتهي براحة أقرب إلى معنى التنفيس والتخفف، بينما البكاء المستمر المقترن بالوحشة قد يرتبط بقلق الرائي. وتبقى هذه قرائن ظنية.
من الناحية العملية والنفسية، قد تدعو الصورة الرائي إلى الالتفات إلى مشاعر الكبار في أسرته، فكثير منهم يحمل في قلبه شجنًا لا يبوح به، وجلسة هادئة يصغي فيها إليهم تخفف عنهم كثيرًا. ومن الحسن أن يسأل بلطف عن أحوالهم دون إلحاح، وأن يتقبل صمتهم أو بكاءهم باحترام. وإن كان الرائي نفسه يحمل حزنًا فلا بأس بأن يبوح لمن يثق به، فالتعبير عن المشاعر صحي، وإن استمر الضيق فليستشر مختصًا.
ومما يستحق التأمل أن الأحلام التي يظهر فيها البكاء قد تأتي بعد يوم مليء بالضغط أو بعد مشاهدة موقف مؤثر، وقد يحمل الرائي في صدره دموعًا لم يذرفها فتظهر في المنام على لسان شخصية يحترمها. وليس في الصورة ما يدل على أن هناك أمرًا سيئًا، بل هي في الغالب تعبير عن حاجة إلى التنفيس والرحمة. ولذلك فالأولى ألا يعطيها الرائي أكثر مما تحتمل، وأن يعتني بنفسه وبمن حوله بلطف.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس إخبارًا بحال أحد. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله أن يفرّج الهموم عن الكبار والصغار وأن يجعل ما رآه خيرًا. ثم يمضي في أيامه بالرحمة وحسن الإصغاء، مطمئنًا إلى أن الله أعلم بما فيه الخير.
