رؤية شيخ كبير يمسك كتابًا في المنام صورة تجمع بين الخبرة المكتسبة والمعرفة المدوّنة، وهي من الرموز التي تثير في النفس رغبة في التأمل. ومع ذلك تبقى الرؤيا لغة رمزية لا تُقرأ بظاهرها، ومعنى الكتاب فيها يتشكل بحسب ما يحمله الرائي من اهتمامات وذكريات. ولا يصح أن يُبنى على هذا التأويل قرار أو توقع بعينه. وما يلي احتمالات عامة، تحتمل الصواب والخطأ، وتختلف من رائٍ إلى آخر.
الشيخ الكبير يرمز إلى الخبرة والذاكرة والوقار، والكتاب يرمز إلى العلم والمعرفة والتعلم وما يُحفظ للأجيال. وعند اجتماعهما قد تعكس الصورة شوق الرائي إلى معرفة أعمق أو إلى توثيق تجربته، أو شعوره بأن عند الكبار علمًا لا يُستغنى عنه. وقد تدل على رغبته في تعلّم مهارة أو قراءة في موضوع يشغله. وقد يكون الكتاب رمزًا لسجل حياة الرائي نفسه وما يريد أن يتركه من أثر طيب. ويبقى ذلك احتمالًا لا جزمًا.
نُسب إلى ابن سيرين أن الكتاب في المنام يُحمل في بعض الأبواب على العلم والمعرفة أو على ما يتصل بشؤون الرائي ومكتوباته، وفق ما ورد عنه بصيغ متعددة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن حمل الكتب في المنام قد يدل على اشتغال بالعلم أو على أمانات وأوراق. ويختلف المعبّرون في هذه الأبواب، كما أن الشيخ الذي يمسك كتابًا على وجه التحديد أقل تناولًا في الكتب القديمة. ولذلك تبقى الأقوال عامة ولا تغني عن النظر في أحوال الرائي.
يتأثر المعنى بالسياق. فإن كان الشيخ يقرأ الكتاب بهدوء فقد يعبّر المشهد عن حاجة الرائي إلى التأني والتعلم. وإن كان يغلقه أو يضعه جانبًا فقد يرتبط بانتهاء مرحلة أو بإحساس الرائي بأنه يحتاج إلى فسحة من الراحة. وإن كان يقدمه للرائي فقد يرتبط ذلك بمعنى الإفادة من خبرة الآخرين. ومكان الشيخ، أهو بيت أم مكتبة أم مجلس، يضيف قرينة أخرى إلى القراءة العامة للمشهد.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة هذه الصورة فقد تدل على اهتمامها بتحصيل علم أو شهادة أو مهارة، أو رغبتها في توجيه أكاديمي من كبير ذي خبرة. وإذا رأتها المتزوجة فقد ترتبط بانشغالها بتربية أبنائها وتعليمهم، أو برغبتها في زيادة ثقافتها وسط مسؤولياتها. وقد تعكس الصورة كذلك ذكرى جد أو قريب كبير كان محبًا للقراءة. وكل ذلك احتمال يتفاوت بحسب ما تعيشه كل امرأة وما يشغلها.
وإذا رآه الرجل فقد يعكس رغبته في تعلم شيء جديد أو في ترتيب معارفه وخبراته، أو في الاستفادة من خبرة كبير في مجال عمله. وللطالب والشاب قد تكون الصورة حافزًا على المثابرة في الدراسة والتحصيل. وقد يرتبط عند من تقدم به العمر بالرغبة في تدوين ذكرياته وتجاربه لأبنائه. ولا يعني ذلك أن الرؤيا تتنبأ بنجاح أو إخفاق، فهي لا تُعتمد في أمور الدراسة والعمل.
ومن التفاصيل الدقيقة حجم الكتاب وشكله وعتاقته، وهل هو جديد أم قديم الصفحات، وهل يظهر عنوانه أو بعض كلماته أم يبقى غامضًا. ويُنظر كذلك إلى طريقة إمساك الشيخ له، وإلى لون الغلاف والإضاءة، وإلى ما إذا كان وحده أو بين أفراد يستمعون إليه. فالكتاب الهادئ في المكان الدافئ أقرب إلى معنى الأنس بالعلم، وغموض الكلمات قد يعبّر عن رغبة في معرفة لم تتضح بعد. وتبقى هذه كلها قرائن ظنية.
من الزاوية العملية والنفسية، قد تكون الصورة فرصة لأن يخصص الرائي وقتًا للقراءة وتعلم ما ينفعه، وأن يسأل أصحاب الخبرة عن الكتب والمصادر الجيدة في مجال اهتمامه. ومن الحسن أن يجلس مع كبير في أسرته ليستمع إلى ما حفظه من قصص وتجارب، وأن يدوّن بعضها حتى لا تضيع. فالإنصات للكبار وتسجيل ذكرياتهم من أجمل ما يُقدَّم للأسرة، ويقرّب بين الأجيال دون تكلف.
ومما يستحق التأمل أن الكتب في الأحلام قد تظهر عند من يشغله موضوع التعلم أو من يمر بمرحلة اختيار طريق جديد، وقد تظهر كذلك عند من قرأ أو رأى كتابًا قبل نومه فبقي أثره. وليس في الصورة ما يلزم الرائي بقراءة معينة ولا بتغيير مسار حياته. والأنسب أن يقرأ الرائي الصورة على أنها دعوة لطيفة إلى التعلم المستمر، وأن يختار لنفسه ما يناسب ظروفه ووقته بهدوء وبلا تكلف.
وخلاصة القول أن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يُعد بيانًا لما سيحدث. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بربه وأن يدعو الله أن يوفقه إلى ما ينفعه من المعرفة وسداد الفهم، وأن يجعل ما رآه خيرًا. ثم يمضي في طلب المعرفة والعمل الجاد، مطمئنًا إلى أن الله أعلم بما فيه الخير.
