رؤية شيخ كبير يمدح الرائي في المنام صورة تبعث على الارتياح وربما الزهو الخفيف، غير أنها كسائر الرؤى رمزية لا تُحمل على ظاهرها. فما يُقال في المنام من ثناء ليس شهادة بحق الرائي ولا خبرًا عن مكانته في الواقع. ولذلك ينبغي النظر إليها بتواضع ودون مبالغة. وما يلي احتمالات في التأويل، تحتمل الصواب والخطأ، ولا يُبنى عليها قرار ولا تقييم للنفس.
الشيخ الكبير يرمز إلى الخبرة والوقار، ومدحه يرمز إلى التقدير والاعتراف بالجهد، وهما من أعظم ما يحتاج إليه الإنسان من الكبار. وعند اجتماعهما قد تعكس الصورة رغبة الرائي في أن يُقدَّر جهده، أو ثقته بنفسه بعد مرحلة اجتهاد، أو ارتياحه إلى مكانة طيبة بين أهله. وقد تدل أيضًا على حاجته إلى كلمة تشجيع لم يسمعها في اليقظة. وليس ذلك دليلًا على أن الرائي بلغ مكانة معينة، فالمدح هنا صدى لنفسه.
نُسب إلى ابن سيرين أن الثناء الذي يسمعه الرائي في المنام من رجل كبير القدر يُحمل في بعض الأبواب على الخير وحسن الذكر، وفق ما ورد عنه بصيغ تتفاوت، مع النظر إلى حال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المدح في المنام يحتمل أكثر من وجه بحسب قائله ومضمونه. ويختلف أهل التعبير في ذلك، كما أن الشيخ الذي يمدح الرائي بعينه أقل تناولًا في الكتب القديمة. فتبقى الأقوال عامة، ولا تُغني الرائي عن مراجعة أحواله بتواضع.
يتغير المعنى بحسب السياق. فإن كان المدح على عمل محدد كدراسة أو عمل أو خلق فقد يرتبط بما يبذله الرائي من جهد، وإن كان مدحًا عامًا فقد يعبّر عن حاجة للتقدير. وإن كان المدح أمام الناس فقد يتصل بحساسية الرائي من نظرة المجتمع، وإن كان على انفراد فقد يعبّر عن حوار داخلي هادئ. ويُنظر كذلك إلى شعور الرائي: هل سُرّ سرورًا هادئًا أم شعر بحرج أو شك.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة هذه الصورة فقد تعكس حاجتها إلى تشجيع في مرحلة دراسة أو عمل أو اختيار، أو ثقتها بمحبة أهلها لها. وإذا رأتها المتزوجة فقد تعبّر عن رغبتها في أن يُقدَّر جهدها في البيت والأسرة، أو عن ارتياحها لعلاقة طيبة مع أهلها وأهل زوجها. وقد تكون صدى لكلمة طيبة سمعتها. وكل ذلك احتمال يتفاوت بحسب حال كل امرأة، وليس إخبارًا بتقدير قادم.
وإذا رآه الرجل فقد يعكس رغبته في اعتراف بجهده في عمله أو أسرته، أو ارتياحه لعلاقة طيبة مع الكبار، أو حنينه إلى كلمة تشجيع من أب أو معلم. وقد يرى الشاب فيها حافزًا على الاستمرار. وربما كانت الصورة بعد فترة تعب أو إحباط، فتأتي لتعوّض ما نقصه من تقدير. ولا ينبغي أن يجعل الرائي من المدح المنامي مقياسًا لما يستحقه، فالتقييم الحقيقي يكون بالأعمال لا بالأحلام.
ومن التفاصيل الدقيقة مضمون الثناء إن تذكره الرائي، وهل كان على خلق أو عمل أو علم، وطريقته، أبالكلام أم بالابتسام أم بالدعاء. ويُنظر كذلك إلى صدق النبرة، وإلى ما إذا كان الرائي مطمئنًا أم متشككًا في الثناء. فالثناء الهادئ الصادق أقرب إلى معنى الاطمئنان والتشجيع، بينما الثناء المبالغ فيه قد يرتبط بمخاوف خفية من التقصير. وتبقى هذه التفاصيل قرائن ظنية لا أكثر.
من الزاوية العملية والنفسية، قد تذكّر الصورة الرائي بأثر الكلمة الطيبة في النفوس، فيبادر هو إلى تشجيع الكبار وتقدير ما قدموه، ويشكر من أحسن إليه. ومن الحسن أن يحافظ على تواضعه، وأن يراجع نفسه بصدق، ويستمر في الاجتهاد دون انتظار مدح. كما أن طلب رأي أهل الخبرة في عمله ونقدهم البنّاء أنفع له من ثناء عابر. وإذا احتاج إلى تشجيع في الواقع فلا بأس بأن يطلب دعم من يثق بهم.
ومما يستحق التأمل أن الأحلام تميل أحيانًا إلى تلبية ما تشتاق إليه النفس، فيأتي الثناء في المنام حين تكون الحاجة إليه شديدة في اليقظة. وهذا طبيعي ولا يعيب أحدًا. والأنسب أن يقابل الرائي الصورة بالامتنان الهادئ، وألا يجعلها دليلًا على مكانة أو قبول، وأن يتذكر أن التقدير الحقيقي يتجلى في المعاملة اليومية وفي ما يبذله الإنسان من إخلاص وإتقان في عمله وعلاقاته.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس شهادة بحق أحد. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه التواضع وحسن العمل. ثم يمضي في أيامه بالاجتهاد والإخلاص وإكرام الكبار، مطمئنًا إلى أن الله أعلم بحال عباده.
