رؤية شيخ كبير يروي ذكرياته في المنام صورة دافئة قد تترك في النفس حنينًا وأنسًا بعد الاستيقاظ. ومع ذلك فالرؤيا لغة رموز لا تُقرأ حرفيًا، وما يرويه الشيخ فيها لا يعني بالضرورة وقائع حقيقية ولا إخبارًا بشيء. وقد يتأثر المشهد بما مرّ على الرائي من صور قديمة أو أخبار أو أحاسيس في يومه. ولذلك ينبغي النظر إليه بهدوء ودون تعلق. وما يلي احتمالات عامة، تحتمل الصواب والخطأ، وتتفاوت بين رائٍ وآخر.
الشيخ الكبير في لغة الرموز يرتبط بالخبرة وطول التجربة والوقار والنصيحة وحفظ الذاكرة، كما يرتبط بتقدير الكبار والإصغاء إليهم. ورواية الذكريات تعبّر في الغالب عن نقل الخبرة من جيل إلى جيل، وعن الحنين إلى الماضي وما فيه من وجوه وأماكن وأيام. وعند اجتماعهما قد تعكس الصورة شوق الرائي إلى الجذور، أو حاجته إلى الاستفادة من تجارب من سبقوه، أو رغبته في أن يحفظ ما يسمعه من كبار أسرته قبل أن يضيع. وقد تدل كذلك على أن الذاكرة كنز يحتاج إلى من ينصت إليه. ولا جزم في شيء من ذلك، فهو قراءة رمزية عامة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الكلام في المنام يُنظر فيه إلى مضمونه وهيئة المتكلم، وأن الشيخ الوقور يدل في بعض الأبواب على الهيبة والرأي السديد، وفق ما ورد عنه بصيغ تتفاوت. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن حال المرئي وما يظهر عليه من سكينة أو اضطراب من القرائن التي تغيّر المعنى، وأن مشاعر الرائي أثناء الرؤيا لها اعتبارها. ويختلف المعبّرون في ذلك اختلافًا واسعًا، وصورة الشيخ الذي يروي ذكرياته بعينه أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيُكتفى فيها بالقياس والاستئناس. فتبقى الأقوال عامة، لا يُبنى عليها قطع ولا يُلزم بها أحد.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإن كانت الذكريات هادئة طيبة يرويها الشيخ بابتسامة فقد تعبّر عن أنس وطمأنينة وتواصل بين الأجيال، وإن كانت مؤلمة يرويها بحزن فقد ترتبط بشجن عند الرائي أو بحاجته إلى مصالحة ماضٍ ما. وإن كان الشيخ يروي للرائي وحده فقد يتصل المعنى بحاجة الرائي إلى توجيه خاص، وإن كان يروي لجمع من الناس فقد يرتبط بذاكرة الأسرة أو الحي. ويُنظر كذلك إلى شعور الرائي: هل أصغى باهتمام أم شعر بالملل أو الانقباض. فالإحساس عند اليقظة قرينة لا تقل أهمية عن المشهد نفسه.
إذا رأت الفتاة غير المتزوجة هذه الصورة فقد تدل على شوقها إلى حكايات الأهل وجذور أسرتها، أو على حاجتها إلى تجارب من سبقوها وهي تفكر في خطوة قادمة. وإذا رأتها المتزوجة فقد تتصل بحنينها إلى بيت أهلها وأيام مضت، أو برغبتها في أن تحفظ لأبنائها ما تسمعه من كبار الأسرة. وإذا رأتها الحامل فقد تعكس حاجتها إلى الأنس والسكينة وإلى من يؤنسها بكلام مطمئن، ولا تدل على شيء يخص الحمل أو الولادة. وكل ذلك احتمال يتأثر بظروف كل امرأة وحالها، ولا يستدعي الانزعاج ولا التعلق.
وإذا رآها الرجل فقد تعكس شوقه إلى أب أو جد أو معلم كان يروي له من تجاربه، أو حاجته إلى الاستئناس برأي من مرّ بمثل ما يمر به في عمله وبيته. وللشاب أو الطالب قد ترمز إلى رغبته في التعلم من تجارب الكبار قبل أن يخوض الطريق بنفسه، أو في معرفة أصل أسرته وتاريخها. وإذا رآها كبير في السن فقد تتصل بذكرياته هو وما يحمله من أيام مضت، وبرغبته في أن يجد من يصغي إليه. وربما كانت صدى لجلسة أسرية سمع فيها الرائي حكايات قديمة. ويبقى ذلك من الاحتمالات، وليس في الصورة وعد ولا إنذار.
ومن التفاصيل الدقيقة موضوع الذكريات إن تذكره الرائي، أهو سفر أم عمل أم بيت قديم أم أيام الطفولة، ونبرة الشيخ وهو يرويها، أهي فرح أم حنين أم أسى. ويُنظر كذلك إلى مكان المشهد والإضاءة وهيئة الشيخ، وهل كان يمسك شيئًا من الأشياء القديمة كصورة أو كتاب أو أداة. وإلى طول الرواية، أقصيرة موجزة أم طويلة متشعبة، وإلى استجابة الرائي، هل استوضح أم اكتفى بالإصغاء. فالذكريات الهادئة التي يعقبها صفاء أقرب إلى معنى الأنس وتواصل الأجيال، والتي يعقبها انقباض قد ترتبط بشجن الرائي. وتبقى هذه كلها قرائن ظنية لا قطع فيها.
من الناحية العملية والنفسية، قد تدعو الصورة الرائي إلى الجلوس مع كبار أسرته والإصغاء إلى ما عندهم من ذكريات، فكثير منهم يسعد بمن يسأله عن ماضيه ويصغي إليه. ومن الحسن أن يدوّن ما يسمعه أو يسجله بإذنهم حفظًا لتاريخ الأسرة وصلة الأجيال. وإن كان الرائي نفسه يحمل حنينًا ثقيلًا إلى ما مضى فلا بأس بأن يبوح لمن يثق به، وأن يوازن بين الذكرى والعيش في يومه. والحلم ليس نصيحة طبية، وما يخص صحة كبار السن وسلامتهم الواقعية كالذاكرة والحركة والدواء مرجعه الطبيب المختص، فلا يُتخذ المنام أساسًا لأي قرار صحي.
ومما يستحق التأمل أن الأحلام التي تحضر فيها الذكريات تأتي أحيانًا بعد مناسبة عائلية أو مشاهدة صور قديمة أو سماع خبر عن شخص غائب، فيعيد الذهن ترتيب ما علق به على لسان شخصية يحترمها. وليس في الصورة ما يدل على أن أمرًا سارًا أو سيئًا سيقع، بل هي في الغالب تعبير عن حاجة النفس إلى الجذور والأنس. ولذلك فالأولى ألا يعطيها الرائي أكثر مما تحتمل، وأن يستثمرها في صلة أرحامه وحسن الإصغاء إلى كبار أسرته. وكلما كان الرائي أهدأ بالًا كانت قراءته للمشهد أقرب إلى التوازن.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس إخبارًا بحال أحد ولا بشيء من الغد. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بربه، وأن يدعو الله أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يبارك في أعمار الكبار ويحفظ عليهم عافيتهم. ثم يمضي في أيامه بالرفق وحسن الإصغاء، مطمئنًا إلى أن الله أعلم بما فيه الخير.
