ابتسامة الشيخ الكبير في المنام صورة تبعث على الأنس، وهي مع ذلك رمز لا يُؤخذ على ظاهره وحده. الرؤيا تتألف من صور وانطباعات يختلط فيها ما يسكن النفس بما يمرّ بها في يقظتها، فلا تصحّ قراءتها قراءة حرفية. ولهذا يحسن النظر إلى هذه الصورة بهدوء وبلا استعجال في الاستنتاج. وما يلي عرض لاحتمالات في التأويل لا يُقصد به الجزم بشيء، ولا ينبغي أن تُبنى عليه قرارات.
الشيخ الكبير يرمز إلى الخبرة الطويلة والرزانة والقدرة على النظر إلى الأمور من علو، وحين تُضاف إليه الابتسامة فإنها تقرّب المعنى من الرضا والقبول والتسامح. وقد تعكس الصورة شعور الرائي بأن في حياته من يسانده ويقدّر جهده، أو رغبته في أن يجد ذلك. وقد تدلّ كذلك على حنين إلى جوّ أسري دافئ ارتبط في الذاكرة بوجه كبير مألوف. ويبقى الأمر مرهونًا بما يعيشه الرائي، فلا يصح تعميمه.
نُسب إلى ابن سيرين أن البشاشة في وجوه الكبار في المنام تُحمل على سعة في الحال وحسن في الصلة، وفق ما ورد عنه في أبواب قريبة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الوجه الباسم يدل في الجملة على انشراح واستقرار نفسي لدى صاحبه. وقد يختلف المعبّرون في توجيه ذلك بحسب اختلاف الرائي وحاله، كما أن رمز الشيخ المبتسم على وجه الخصوص أقل تناولًا في المصنفات القديمة، فيبقى الاعتماد على القرائن العامة. وهذا يعني أن الأقوال المروية اجتهادات متعددة لا يُلزم أحد بواحد منها.
للسياق أثر واضح في هذه الرؤيا. فإن كانت الابتسامة في مكان مألوف كالبيت أو الحي أو مجلس عائلي فقد يكون المعنى متصلًا بعلاقات الرائي القريبة وما فيها من مودة أو شوق. وإن كانت في مكان غريب فقد تعبّر عن رغبة في الاطمئنان تجاه أمر جديد مقبل عليه. ويختلف الأمر أيضًا بحسب شعور الرائي: أهو مرتاح لهذه الابتسامة أم متحفّظ منها؟ فالشعور الذي صاحب المنام جزء من الرمز نفسه.
إذا كانت الرائية غير متزوجة فقد تُقرأ الابتسامة على أنها انعكاس لشعورها بالقبول من أهلها أو لحاجتها إلى تشجيع في مرحلة تنتظر فيها قرارًا في الدراسة أو العمل أو الارتباط. وإذا كانت متزوجة فقد تعبّر عن رغبتها في جو أسري أكثر سكينة، أو عن امتنانها لوجود من يسندها من أسرتها أو أسرة زوجها. وإذا كانت أمًّا فقد تتصل بتطلعها إلى أن ينعم أبناؤها بدعم الكبار. وكل ذلك احتمالات متفاوتة تتوقف على واقع كل امرأة.
وإذا رآه الرجل فقد يدل على ارتياحه لعلاقة طيبة مع كبار عائلته أو زملاء أقدم منه في العمل، أو على حاجته إلى كلمة تشجيع. وإذا كان الرائي شابًّا في بداية حياته العملية فقد تعكس الصورة رغبته في أن يلقى تقديرًا من أصحاب التجربة. أما إن كان في فترة من المراجعة أو الضغط فقد تكون الابتسامة تعبيرًا عن حاجة نفسه إلى الطمأنينة. ويبقى ذلك كله من باب الاحتمال لا الجزم.
ومن التفاصيل الدقيقة نوع الابتسامة نفسها، أهي هادئة خفيفة أم عريضة، وهل صاحبتها نظرة ودودة أم بقيت الابتسامة وحدها. ويُنظر كذلك إلى ملامح الشيخ وثيابه وما كان بين يديه، وإلى وجود آخرين معه، وإلى الإضاءة العامة في المنام. فالمشهد المضيء الهادئ أقرب إلى معاني الراحة، بينما المشهد المضطرب قد يحمل معنى مختلفًا. وقد تتحدد الدلالة كذلك بما يتذكره الرائي من أحداث قريبة سبقت المنام.
من الناحية العملية والنفسية، قد تكون هذه الصورة فرصة ليتأمل الرائي مقدار ما يستفيده من أهل الخبرة في محيطه. فمن الحسن أن يجعل لنفسه مجلسًا مع كبير يحبه، يسمع منه ويصغي إلى تجاربه من غير مقاطعة. والإنصات إلى الكبار يهذّب النفس ويوسّع النظر ويخفّف من حدة الاندفاع. وإن كان لدى الرائي قرار مؤجل فليطلب فيه مشورة من يثق بنضجه، ثم يزن الأمر بعقله وقلبه.
ومما يستحق التأمل أن الابتسامة في الحياة اليومية وسيلة تواصل لا تحتاج إلى كلام، ولذلك قد تكون الصورة في المنام تذكيرًا برغبة الرائي في علاقات أبسط وأقل تكلفة نفسية. وقد يرتبط المنام بموقف حقيقي رأى فيه الرائي كبيرًا يبتسم له فبقي أثره في الذاكرة. ويحسن ألا يقارن الرائي رؤياه برؤى غيره، فلكل إنسان ذاكرة خاصة مع الكبار تحدد ما تعنيه له هذه الصورة، وقد يرى فيها غيره معنى مختلفًا تمامًا.
وخلاصة القول أن ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ، وليس إخبارًا بما سيقع. والغيب لا يعلمه إلا الله، ولا سبيل لأحد إلى الجزم بما تحمله الأيام. ويحسن بالرائي أن يطمئن قلبه ويحسن الظن بالله، وأن يدعو الله أن يجعل هذه الرؤيا خيرًا وسكينة. ثم يواصل حياته بالسعي والعمل وصلة الرحم وحسن المعاملة، فذلك خير ما يُشتغل به.
