الهروب والاختباء في المنام مشهد يجمع بين الابتعاد السريع والبحث عن موضع ساتر. وفي هذه الصورة لا يكتفي الرائي بالخروج من المكان، بل يسعى إلى ركن يخفيه عن الأنظار. والرؤيا في أصلها صور رمزية تتشكل من أفكار الرائي ومشاعره وما يمر به في أيامه، وليست خبرًا مؤكدًا عن أمر محدد. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء وبعيدًا عن التهويل. وما يُذكر هنا اجتهاد في الفهم لا قطع فيه.
رمزية الهروب في المنام تدور غالبًا حول الرغبة في الابتعاد عن ضغط أو مسؤولية أو موقف مزعج. وقد تدل على حاجة الرائي إلى الراحة وإلى مساحة يهدأ فيها بعد انشغال طويل. كما قد تعكس بحثًا عن مخرج من أمر يشغل البال، أو رغبة في مواجهة قلق ظل مؤجلًا. وحين ينضم إليه الاختباء فالصورة توحي بحاجة إلى الخصوصية وإلى وقت يخلو فيه الرائي إلى نفسه. ومع ذلك لا يصح حصر المعنى في وجه واحد، فالتفاصيل وحال الرائي لهما اعتبار.
نُسب إلى ابن سيرين أن الستر والمواراة في الرؤيا قد تُفهم عند بعضهم على أنها حفظ للأمر أو رغبة في كتمانه بحسب حال الرائي. ومن هنا قد يُقرأ الاختباء بعد الهروب على أنه رغبة في الاحتفاظ بشيء لنفسه ريثما يتضح الأمر. ونُسب إليه أن راحة الرائي في موضع اختبائه قد تعكس طمأنينة، وأن ضيق المكان قد يعكس شعورًا بالانحصار. وهذه الأقوال اجتهادات اختلفت فيها الأنظار، فلا تُعد قواعد تنطبق على كل رائي. ويبقى النظر إلى حال صاحب الرؤيا أولى.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الانتقال من موضع إلى موضع في الرؤيا قد يدل على تبدل الأحوال، وأن الأماكن المغلقة قد ترتبط بما يخفيه الإنسان في نفسه أو يدخره. وعلى هذا قد يُفهم الاختباء على أنه إحساس بالحاجة إلى مهلة قبل مواجهة أمر ما. أما الخروج من موضع الاختباء فقد يُقرأ على أنه استعداد للمواجهة. ويختلف المفسرون في تقدير هذه التفاصيل اختلافًا واسعًا. فلا تُفهم هذه الآراء على أنها بشارة مضمونة أو إشارة إلى أمر مخيف.
ويؤثر السياق في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإذا كان مكان الاختباء دافئًا والرائي هادئًا فقد تدل الصورة على رغبة في السكينة والانفراد بالنفس. وإذا كان المكان ضيقًا والرائي متوترًا فقد تعكس إحساسًا بالحصر أو بكثرة ما يشغل الذهن. ولنوع المكان أثر كذلك، فالاختباء في بيت مألوف يوحي بالألفة، والاختباء في مكان غريب يوحي بالترقب. وحال الرائي عند الاستيقاظ قرينة مهمة، أمرتاح هو أم منزعج.
بالنسبة إلى المرأة العزباء قد تعكس الرؤيا رغبة في الخصوصية وفي أن تفكر في قراراتها بعيدًا عن الأنظار والأسئلة. وقد تدل على أمر تؤجله وتحتاج إلى وقت لتهدأ قبله. أما المرأة المتزوجة فقد تشير الصورة إلى حاجتها إلى ركن هادئ خاص بها بعد انشغال بمسؤوليات البيت والأسرة. والمرأة الحامل قد تشعر بتعب فتظهر الصورة تعبيرًا عن حاجتها إلى الراحة والدعم. وكل ذلك احتمالات يحسن ألا يُجزم بها.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد تتصل الصورة بتزاحم الأعباء في العمل أو الأسرة ورغبته في وقت يخلو فيه إلى نفسه. وللطالب قد تعبر عن رهبة من واجب أو اختبار ورغبة في الانعزال للتركيز. أما صاحب العمل فقد يجد فيها دعوة إلى منح نفسه مساحة للتفكير وترتيب الأولويات. ومن يمر بمرحلة تغيير في حياته قد تظهر له الصورة لأن الحاجة إلى مهلة حاضرة في ذهنه. وتبقى الدلالة مرتبطة بواقعه وبما يشعر به.
وللتفاصيل أثر في الفهم. فموضع الاختباء، أكان خلف باب أم تحت درج أم بين أشجار، قد يوحي بما يتمناه الرائي من ستر وهدوء. وطول مدة الاختباء قد يعكس مقدار الحاجة إلى المهلة. وإن خرج الرائي من مخبئه مطمئنًا فقد يعكس ذلك استعدادًا أكبر لما ينتظره. ولا يصح أن يبني الرائي على هذه التفاصيل ظنًا في أحد من الناس. ويحسن أن يعود إلى أكثر ما ترك أثرًا في نفسه من مشاعر.
من الناحية النفسية قد تكون الرؤيا انعكاسًا لانشغال الذهن بأمر ضاغط في اليقظة، فيظهر في المنام على هيئة ابتعاد ثم اختباء. ويفيد الرائي أن يسأل نفسه عما يثقل عليه فعلًا، وأن يمنح نفسه وقتًا للهدوء، وألا يطيل الانعزال إن شعر أنه يثقل عليه، وأن يطلب مساندة ممن يثق به. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية أو نفسية، فإن كان الخوف شديدًا أو القلق مستمرًا أو الكوابيس تتكرر فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. والرؤيا لا تغني عن الأخذ بالأسباب.
وخلاصة القول أن الهروب والاختباء في المنام صورة رمزية تحتمل أكثر من معنى، وما ذُكر فيها اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ. ولا يصح بناء قرار مصيري على رؤيا وحدها. وحسن الظن بالله أولى ما يلزمه الرائي، مع دعاء بأن يرزقه الله الطمأنينة وانشراح الصدر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الرائي إلا أن يسعى بما يستطيع ويترك الباقي لربه.
