الهروب في النهار في المنام مشهد يجمع بين الحركة والضوء الواضح وحياة الناس من حول الرائي. فالنهار في الأحلام صورة توحي بالوضوح والانكشاف وبما في الأيام من عمل ومواعيد. والرؤيا في أصلها صور رمزية تتشكل من أفكار الرائي ومشاعره وما يمر به في أيامه، وليست خبرًا مؤكدًا عن أمر محدد. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء وبعيدًا عن التهويل. وما يُذكر هنا اجتهاد في الفهم لا قطع فيه.
رمزية الهروب في المنام تدور غالبًا حول الرغبة في الابتعاد عن ضغط أو مسؤولية أو موقف مزعج. وقد تدل على حاجة الرائي إلى الراحة وإلى مساحة يهدأ فيها بعد انشغال طويل. كما قد تعكس بحثًا عن مخرج من أمر يشغل البال، أو رغبة في مواجهة قلق ظل مؤجلًا. وحين يكون ذلك في النهار فالصورة توحي بأن الأمر مرتبط بواقع الرائي الظاهر وبمسؤولياته المعلنة. ومع ذلك لا يصح حصر المعنى في وجه واحد، فالتفاصيل وحال الرائي لهما اعتبار.
نُسب إلى ابن سيرين أن النهار في الرؤيا قد يُفهم عند بعضهم على أنه صورة للوضوح والظهور، وأن الضوء قد يعكس انكشاف الأمور. ومن هنا قد يُقرأ الهروب في النهار على أنه رغبة في الخروج من ضغط ظاهر يعرفه الرائي ويعيشه كل يوم. ونُسب إليه أن صفاء الجو قد يعكس سعة في الحال. وهذه الأقوال اجتهادات اختلفت فيها الأنظار، فلا تُعد قواعد تنطبق على كل رائي. ويبقى النظر إلى حال صاحب الرؤيا أولى.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الانتقال من موضع إلى موضع في الرؤيا قد يدل على تبدل الأحوال، وأن الضوء يرتبط بالوضوح وانكشاف الأمر. وعلى هذا قد يُفهم الهروب في النهار على أنه رمز لإحساس الرائي بأن ما يثقل عليه واضح له لا غموض فيه، وهو يحتاج إلى مواجهته أو التخفف منه. وليس في هذا إخبار بما سيقع. ويختلف المفسرون في تقدير هذه التفاصيل اختلافًا واسعًا. فلا تُفهم هذه الآراء على أنها بشارة مضمونة أو إشارة إلى أمر مخيف.
ويؤثر السياق في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإذا كان النهار صافيًا والطريق واسعًا والرائي مطمئنًا فقد تدل الصورة على رغبة هادئة في الابتعاد وإعادة الترتيب. وإذا كان الزحام شديدًا والرائي متوترًا فقد تعكس إحساسًا بضغط الحياة اليومية. ولوقت النهار أثر كذلك، فالصباح يوحي ببداية جديدة، والظهيرة توحي بذروة الانشغال، والعصر يوحي بقرب الراحة. وحال الرائي عند الاستيقاظ قرينة مهمة، أمرتاح هو أم منزعج.
بالنسبة إلى المرأة العزباء قد تعكس الرؤيا رغبة في التخفف من التزامات الدراسة أو العمل في أيامها دون ضغط من حولها. وقد تدل على قرار تؤجله وتحتاج إلى وقت لتهدأ قبله. أما المرأة المتزوجة فقد تشير الصورة إلى حاجتها إلى فسحة من مسؤوليات البيت والأسرة اليومية. والمرأة الحامل قد تشعر بتعب فتظهر الصورة تعبيرًا عن حاجتها إلى الراحة والدعم. وكل ذلك احتمالات يحسن ألا يُجزم بها.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد تتصل الصورة بتزاحم الأعباء في العمل أو الأسرة ورغبته في التخفف منها في نهاره. وللطالب قد تعبر عن رهبة من واجب أو اختبار ورغبة في الابتعاد عنه مؤقتًا. أما صاحب العمل فقد يجد فيها دعوة إلى ترتيب وقته وجدوله وأولوياته. ومن يمر بمرحلة تغيير في حياته قد تظهر له الصورة لأن انشغاله بالأيام حاضر في ذهنه. وتبقى الدلالة مرتبطة بواقعه وبما يشعر به.
وللتفاصيل أثر في الفهم. فوجود أشخاص في الطريق أو خلوه قد يوحي بمقدار ما يشعر به الرائي من أنس أو وحدة. وسطوع الشمس أو سحب السماء قد يرتبط بما في نفسه من وضوح أو التباس. وإن كان الرائي يسير في طريق يعرفه فقد يعكس ذلك ألفة، وإن كان في مكان غريب فقد يعكس ترقبًا. ولا يصح أن يبني الرائي على هذه التفاصيل ظنًا في أحد. ويحسن أن يعود إلى أكثر ما ترك أثرًا في نفسه من مشاعر.
من الناحية النفسية قد تكون الرؤيا انعكاسًا لانشغال الذهن بأمر ضاغط في اليقظة وفي أيامه العادية، فيظهر في المنام على هيئة ابتعاد في وضح النهار. ويفيد الرائي أن يسأل نفسه عما يرهقه في يومه فعلًا، وأن يخفف الجدول المزدحم ويمنح نفسه وقتًا للراحة. كما يفيده الكلام مع من يثق به عما يشغله. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية أو نفسية، فإن كان الخوف شديدًا أو القلق مستمرًا أو الكوابيس تتكرر فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. والرؤيا لا تغني عن الأخذ بالأسباب.
وخلاصة القول أن الهروب في النهار في المنام صورة رمزية تحتمل أكثر من معنى، وما ذُكر فيها اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ. ولا يصح بناء قرار مصيري على رؤيا وحدها. وحسن الظن بالله أولى ما يلزمه الرائي، مع دعاء بأن يرزقه الله الطمأنينة وانشراح الصدر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الرائي إلا أن يسعى بما يستطيع ويترك الباقي لربه.
