الهروب بالقطار في المنام مشهد يجمع بين السرعة والمسار المحدد والمحطات التي تتتابع. فالقطار وسيلة تسير على سكة ثابتة، ولذلك يوحي بحركة منتظمة لا يختار الراكب كل تفاصيلها. والرؤيا في أصلها صور رمزية تتشكل من أفكار الرائي ومشاعره وما يمر به في أيامه، وليست خبرًا مؤكدًا عن أمر محدد. وقد يرى الإنسان نفسه صاعدًا إلى عربة مسرعًا كي يبتعد عن مكان ما. وما يُذكر هنا اجتهاد في الفهم لا قطع فيه.
رمزية الهروب في المنام تدور غالبًا حول الرغبة في الابتعاد عن ضغط أو مسؤولية أو موقف مزعج. وقد تدل على حاجة الرائي إلى الراحة وإلى مهلة يهدأ فيها بعد انشغال طويل. كما قد تعكس بحثًا عن مخرج من أمر يشغل البال، أو رغبة في مواجهة قلق ظل مؤجلًا. وحين تكون الوسيلة قطارًا فالصورة توحي برغبة في الانتقال إلى حال أخرى عبر طريق واضح المعالم. وهذه الصورة لا تدل على رحلة حقيقية ولا تعد بشيء، ومع ذلك لا يصح حصر معناها في وجه واحد.
نُسب إلى ابن سيرين أن المركب في الرؤيا قد يُفهم على أنه وسيلة يبلغ بها الإنسان مقصده، وأن حسن السير فيه قد يعكس يسرًا في الأمور. ومن هنا قد يُقرأ الهروب بالقطار على أنه رغبة في الانتقال من حال ثقيلة إلى حال أيسر. ونُسب إليه أن التأخر عن المركب أو فواته قد يُقرأ على أنه ترقب أو تردد، وهو معنى لا يتعدى حدود الشعور. وهذه الأقوال اجتهادات اختلفت فيها الأنظار، فلا تُعد قواعد تنطبق على كل رائي. ويبقى النظر إلى حال صاحب الرؤيا أولى.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الانتقال من مكان إلى مكان في الرؤيا قد يدل على تبدل الأحوال، وأن لزوم الطريق الواضح قد يدل على الاستقامة والثبات. وعلى هذا قد يُفهم القطار على أنه إحساس بأن الأمور تسير في مسار مرسوم يصعب تغييره بسرعة. أما تعدد المحطات فقد يعكس مراحل يمر بها الرائي في تفكيره. ويختلف المفسرون في تقدير هذه التفاصيل اختلافًا واسعًا. فلا تُفهم هذه الآراء على أنها بشارة مضمونة أو إشارة إلى أمر مخيف.
ويؤثر السياق في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإذا كانت العربة مريحة والمقعد متاحًا والرائي مطمئنًا فقد تدل الصورة على رغبة هادئة في تخفيف الأعباء وترك الأمور تسير. وإذا كانت العربة مزدحمة والرائي متوترًا فقد تعكس إحساسًا بالضغط والتزاحم في واقعه. ولسرعة القطار أثر كذلك، فالسرعة العالية توحي بالاستعجال، والبطء يوحي بالانتظار. وحال الرائي عند الاستيقاظ قرينة مهمة، أمرتاح هو أم منزعج.
بالنسبة إلى المرأة العزباء قد تعكس الرؤيا رغبة في الانتقال إلى مرحلة جديدة في دراستها أو عملها دون ضغط من حولها. وقد تدل على قرار تؤجله وتحتاج إلى وقت لتهدأ قبله. أما المرأة المتزوجة فقد تشير الصورة إلى حاجتها إلى فسحة من مسؤوليات البيت والأسرة. والمرأة الحامل قد تشعر بتعب فتظهر الصورة تعبيرًا عن حاجتها إلى الراحة والدعم. وكل ذلك احتمالات يحسن ألا يُجزم بها.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد تتصل الصورة بتزاحم الأعباء في العمل أو الأسرة ورغبته في التخفف منها. وللطالب قد تعبر عن رهبة من واجب أو اختبار ورغبة في الابتعاد عنه مؤقتًا. أما صاحب العمل فقد يجد فيها دعوة إلى ترتيب أولوياته وتنظيم وقته. ومن يمر بمرحلة تغيير في حياته قد تظهر له الصورة لأن فكرة الانتقال حاضرة في ذهنه. وتبقى الدلالة مرتبطة بواقعه وبما يشعر به.
وللتفاصيل أثر في الفهم. فالمحطة التي يصعد منها الرائي قد توحي بنقطة البداية في تفكيره، والمحطة التي ينزل فيها قد توحي بما يتمنى بلوغه. وصوت القطار وسرعة النوافذ وهي تمر قد ترتبط بما في نفسه من استعجال أو ترقب. ووجود أشخاص في العربة قد يغير القراءة، لأن الرائي حينئذ يشعر بالانتماء إلى جمع أو بالوحدة بينهم. ويحسن أن يعود إلى أكثر ما ترك أثرًا في نفسه من مشاعر.
من الناحية النفسية قد تكون الرؤيا انعكاسًا لانشغال الذهن بأمر ضاغط في اليقظة، فيظهر في المنام على هيئة انتقال سريع بعيدًا عنه. ويفيد الرائي أن يسأل نفسه عما يثقل عليه فعلًا، وأن يمنح نفسه فترات راحة ويرتب مهامه. كما يفيده الكلام مع من يثق به عما يشغله. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية أو نفسية، فإن كان الخوف شديدًا أو القلق مستمرًا أو الكوابيس تتكرر فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. والرؤيا لا تغني عن الأخذ بالأسباب.
وخلاصة القول أن الهروب بالقطار في المنام صورة رمزية تحتمل أكثر من معنى، وما ذُكر فيها اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ. ولا يصح بناء قرار مصيري على رؤيا وحدها. وحسن الظن بالله أولى ما يلزمه الرائي، مع دعاء بأن يرزقه الله الطمأنينة وانشراح الصدر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الرائي إلا أن يسعى بما يستطيع ويترك الباقي لربه.
