رؤية الهروب من ضوء ساطع من الأحلام التي يتذكر فيها الرائي شدة الإضاءة وانبهار بصره ورغبته في الوصول إلى مكان هادئ معتدل. وهي في الغالب صورة رمزية تتشكل مما يعيشه الإنسان من مشاعر وانشغالات. ولا يصح أن يُتخذ أي تفسير حقيقة قاطعة، فالدلالة تختلف باختلاف الرائي وظروفه. ويحسن أن يتأمل شعوره أثناء الحلم، هل كان متضايقًا أم محرجًا أم متعبًا. وما يلي احتمالات تُعرض بهدوء وليست جزمًا بشيء.
الضوء في الأحلام يرمز عادة إلى الوضوح والانكشاف والظهور، وشدته قد تكون صورة لضغط الأنظار أو لكثرة التفاصيل المعروضة دفعة واحدة. والهروب منه يشير في الجملة إلى رغبة في ظل هادئ يخفف الأضواء ويمنح الإنسان خصوصية. وقد يعبّر الحلم عن شعور بأنه تحت الضوء وأن عليه أن يكون جاهزًا دائمًا. وليس في هذه الصورة ما يدل على أمر سيئ قادم، فهي انعكاس لحاجة إنسانية إلى الراحة من الظهور. وكثيرًا ما تظهر في فترات المسؤولية أو التقييم.
نُسب إلى ابن سيرين أن النور في المنام قد يدل على الهداية والوضوح والفرج بحسب هيئته وحال الرائي. وذُكر عنه أن تفسير الضوء يتبدل بحسب كونه معتدلًا مريحًا أو شديدًا يؤذي البصر. فمن رأى أنه ينتقل من ضوء شديد إلى مكان معتدل قيل إنه قد يرتاح مما يثقله. وهذا من الآراء المتداولة وقد تختلف نسبته وتفاصيله بين مصادر التعبير. ولذلك يؤخذ على سبيل الاستئناس لا القطع.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للضياء في الرؤيا دلالات متعددة بحسب قوته ومصدره، وأن الأمر يرجع إلى حال الرائي معه. ورأى بعض أهل التعبير أن الابتعاد عن الضوء الشديد قد يشير إلى رغبة في التخفف من الظهور أو التقييم. وتتسع مساحة الاجتهاد بين الآراء، ولا يصح الجزم بمعنى محدد. ومن الأولى أن يأخذ الرائي ما يوافق حاله. فلا يوجد معنى واحد يصلح للجميع.
للسياق أثر في المعنى. فإن كان الضوء مصدره مصباح كبير أو شمس والرائي يبتعد بهدوء فقد يدل ذلك على رغبة في الخصوصية، وإن كان يركض ويغطي وجهه فقد يعكس ضغطًا أكبر. وإذا وصل إلى ظل أو غرفة هادئة فالصورة أقرب إلى الارتياح. وإذا كان معه أحد يسنده فقد يتصل الحلم بحاجته إلى رفقة. أما إن استيقظ متعبًا فقد يكون الحلم دعوة إلى الراحة والابتعاد عن الأضواء قليلًا.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يرتبط الحلم بالعروض والاختبارات وشعور بأن الجميع ينظر إليه. وإذا كان موظفًا فقد يعبّر عن تقييم أو عرض أمام المسؤولين. وقد يشير الهروب إلى حاجة إلى استعداد أفضل وإلى تدرج في الظهور. ومن المفيد أن يتدرب الرائي على ما سيعرضه، وأن يبدأ بمواقف صغيرة. فالضوء يصير مألوفًا مع الوقت. وليس في هذا الحلم ما يدل على قلة كفاءة.
وإذا كانت الرائية ربة بيت فقد يعبّر الحلم عن شعور بأن كل تفصيلة في بيتها تُراقب أو تُقيّم في المناسبات. وإذا كان الرائي ربًّا لأسرة فقد يرمز إلى ثقل الدور المنتظر منه. أما الشاب أو الفتاة فقد يرى فيه رهبة الظهور أمام الآخرين. وكبير السن قد يراه شوقًا إلى إضاءة هادئة وحياة أبسط. وفي كل ذلك لا يكون الهروب علامة تقصير، فهو إشارة مفهومة إلى حاجة النفس إلى خصوصية.
تفاصيل الحلم تضيف معنى. فلون الضوء وقوته ومصدره، وهل كان في مكان مغلق أو مفتوح، وهل كان معه صوت، كلها قد تشير إلى طبيعة ما يشعر به. ومن هرب وحده فقد يميل إلى الاعتماد على نفسه، ومن هرب مع غيره فقد يحتاج إلى سند. وقد يدل ارتداء نظارة أو ستار على رغبة في تلطيف الظهور. وليس لأي من هذه التفاصيل دلالة ثابتة عند الجميع.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى التدرج في مواجهة المواقف التي تتطلب ظهورًا وإلى الاعتناء بالراحة. ويفيد أن يعدّ الرائي نفسه جيدًا، وأن يتنفس بعمق قبل المواقف المهمة، وأن يطلب تشجيع من يثق به. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. فإذا تكرر الخوف الشديد أو استمر القلق أو عادت الكوابيس مرارًا فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. ومن الجيد أن يتذكر أن الرهبة من الظهور شعور مألوف عند كثيرين.
وتبقى هذه القراءة اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ والصواب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالسكينة وثبات القلب. ثم يمضي في يومه بهدوء، فالطمأنينة تأتي من الاستعداد الهادئ ومن التوكل على الله.
