رؤية الهروب من قطة من الأحلام التي قد تبدو غريبة، فالقطة في العادة حيوان أليف مألوف. وهي في الغالب صورة رمزية تتشكل مما يعيشه الإنسان من مشاعر ومواقف يومية. ولا يصح أن يُتخذ أي تفسير حقيقة قاطعة، فالدلالة تختلف باختلاف الرائي وظروفه. ويحسن أن يتأمل شعوره أثناء الحلم، هل كان متوترًا أم متفاجئًا أم راغبًا في الابتعاد. وما يلي احتمالات تُعرض بهدوء وليست جزمًا بشيء.
القطة في الأحلام قد ترمز إلى الألفة والاستقلال والحذر واللطف بحسب هيئتها وسلوكها. والهروب منها يشير في الجملة إلى رغبة في الابتعاد عن أمر بسيط يزعج الرائي أو يستدعي انتباهه باستمرار. وقد يعبّر الحلم عن حاجة إلى مساحة خاصة وإلى هدوء بعيدًا عن المطالب الصغيرة المتكررة. وليس في هذه الصورة ما يدل على أمر سيئ قادم، فهي انعكاس لشعور عابر أو ضيق خفيف. وكثيرًا ما تظهر في أيام تتراكم فيها الأمور الصغيرة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحيوانات الأليفة في المنام قد تدل على أهل البيت وما يتصل بهم من ألفة، وأن تفسيرها يختلف بحسب هيئتها وحال الرائي معها. وذُكر عنه أن الابتعاد عن الأمر المزعج في الرؤيا يُفسر بالتخلص من انشغال بقدر ما. فمن رأى أنه يبتعد عن قطة بهدوء قيل إنه قد يرتاح من أمر صغير يشغله. وهذا من الآراء المتداولة وقد تختلف نسبته بين مصادر التعبير. ولذلك يؤخذ على سبيل الاستئناس لا القطع.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للقطة في الرؤيا دلالات متعددة بحسب لونها وهيئتها، وأن الابتعاد عنها قد يعني انصرافًا عن أمر ما. ورأى بعض أهل التعبير أن الأمر يرجع إلى علاقة الرائي بهذا الحيوان، فمن أحبه يراه غير ما يراه من يتحسس منه. وتتسع مساحة الاجتهاد بين الآراء، ولا يصح ربط الحلم بأحد من الناس. ومن الأولى أن يأخذ الرائي ما يوافق حاله. فلا يوجد معنى واحد يصلح للجميع.
للسياق أثر في المعنى. فإن كانت القطة صغيرة وهادئة والرائي يبتعد عنها فقد يدل ذلك على انزعاج بسيط، وإن كانت كبيرة أو تقترب بسرعة فقد يعكس توترًا أكبر قليلًا. وإذا ابتعدت القطة أو استقرت في مكان فالصورة أقرب إلى الارتياح. وإذا كان المكان بيتًا مألوفًا فقد يتصل الحلم بأمور المنزل والأسرة. أما إن استيقظ الرائي مضطربًا فقد يكون ذلك دعوة إلى الراحة والكلام مع من يثق به.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يرتبط الحلم بكثرة التفاصيل الصغيرة في دراسته من واجبات وأوراق ومواعيد. وإذا كان موظفًا فقد يعبّر عن مهام صغيرة متفرقة تستهلك انتباهه. وقد يشير الهروب إلى حاجة إلى ترتيب بسيط يخفف التشتت. ومن المفيد أن يجمع الرائي المهام الصغيرة في قائمة واحدة وينجزها في وقت محدد. فالأمور الصغيرة حين تُجمع تصبح أخف على النفس. وليس في هذا الحلم ما يدل على ضعف.
وإذا كانت الرائية ربة بيت فقد يعبّر الحلم عن كثرة الطلبات الصغيرة في البيت وما فيها من إرهاق خفي. وإذا كان الرائي ممن يربّون أبناء فقد يرمز إلى سهر ومتابعة متواصلة. أما الشاب أو الفتاة فقد يرى فيه أثر تحسس من الحيوانات. وكبير السن قد يراه ذكرى أو انعكاسًا لحال بيته. وفي كل ذلك لا يكون الهروب علامة تقصير، فهو إشارة مفهومة إلى حاجة النفس إلى مساحة.
تفاصيل الحلم تضيف معنى. فلون القطة وحجمها وصوتها وسرعتها، وهل كانت تتبع الرائي أم تقف في مكانها، كلها قد تشير إلى طبيعة الانزعاج الذي يشعر به. ومن هرب وحده فقد يميل إلى الاعتماد على نفسه، ومن هرب مع غيره فقد يحتاج إلى سند. وقد يدل دخول الرائي إلى غرفة وإغلاقه الباب على رغبة في الخلوة. وليس لأي من هذه التفاصيل دلالة ثابتة عند الجميع.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى الالتفات إلى الأمور الصغيرة المتراكمة وتبسيطها. ويفيد أن ينظم الرائي وقته، وأن يخصص ساعة هادئة كل يوم، وأن يتكلم مع من يثق به عمّا يضايقه. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. فإذا تكرر الخوف الشديد أو استمر القلق أو عادت الكوابيس مرارًا فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. وإن كان يتحسس من الحيوانات فعلًا فمن المناسب استشارة الطبيب.
وتبقى هذه القراءة اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ والصواب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالسكينة وراحة البال. ثم يمضي في يومه بهدوء، فالطمأنينة تأتي من ترتيب الصغير قبل الكبير ومن التوكل على الله.
