رؤية الهروب من كلب من الأحلام الشائعة، وقد يستيقظ منها الرائي وقد بقي في نفسه أثر من الارتباك. وهي في الغالب صورة رمزية تتشكل مما يعيشه الإنسان من انفعالات ومواقف. ولا يصح أن يُتخذ أي تفسير حقيقة قاطعة، فالدلالة تختلف باختلاف الرائي وظروفه. ويحسن أن يتأمل شعوره أثناء الحلم، هل كان متوترًا أم مرتبكًا أم متضايقًا. وما يلي احتمالات تُعرض بهدوء وليست جزمًا بشيء.
الكلب في الأحلام قد يرمز إلى معانٍ متعددة كالإلف والوفاء حينًا، وإلى الانزعاج والتوتر حينًا آخر بحسب هيئته وحال الرائي معه. والهروب منه يشير في الجملة إلى رغبة في الابتعاد عن مصدر قلق أو عن موقف مزعج. وقد يعبّر الحلم عن شعور بالضيق من أمر يتكرر ويطلب انتباهًا. وليس في هذه الصورة ما يدل على أمر سيئ قادم، فهي انعكاس لما قد يشغل الذهن من توتر. وكثيرًا ما تظهر عند من مرّ بموقف مع كلب فعلًا أو تأثر بمشهد قريب.
نُسب إلى ابن سيرين أن الكلب في المنام قد يدل على صفات مختلفة بحسب حاله، وأن تفسيره يتبدل بحسب هيئته وألفته. وذُكر عنه أن الابتعاد عن الأمر المزعج في الرؤيا يُفسر بالخلاص منه بقدر ما. فمن رأى أنه يبتعد عن كلب ويصل إلى مكان آمن قيل إنه قد يرتاح من انزعاج يشغله. وهذا من الآراء المتداولة وقد تختلف نسبته وتفاصيله بين مصادر التعبير. ولذلك يؤخذ على سبيل الاستئناس لا القطع.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للكلب في الرؤيا دلالات متعددة بحسب لونه وصوته وسلوكه، وأن الابتعاد عنه قد يعني تخففًا من أمر مزعج. ورأى بعض أهل التعبير أن الأهم هو علاقة الرائي بالحيوان في حياته، فمن اعتاد على الكلاب يراها غير ما يراها من يهابها. وتتسع مساحة الاجتهاد بين الآراء، ولا يصح ربط الحلم بشخص محدد. ومن الأولى أن يأخذ الرائي ما يوافق حاله. فلا يوجد معنى واحد يصلح للجميع.
للسياق أثر في المعنى. فإن كان الكلب صغيرًا أو هادئًا والرائي يبتعد عنه فقد يدل ذلك على انزعاج بسيط وعابر، وإن كان كبيرًا ونابحًا والرائي يركض فقد يعكس توترًا أكبر. وإذا هدأ الكلب أو توقف عن الاقتراب فالصورة أقرب إلى الارتياح. وإذا كان الرائي في مكان مألوف فقد يتصل الحلم بشأن قريب من يومه. أما إن استيقظ مضطربًا فقد يكون ذلك دعوة إلى الراحة وإلى الكلام مع من يثق به.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يرتبط الحلم بتوتر الواجبات أو القلق من موقف في المدرسة. وإذا كان موظفًا فقد يعبّر عن انزعاج من متابعة متكررة أو من ضجيج في بيئة العمل. وقد يشير الهروب إلى حاجة إلى حدود صحية وإلى وقت للهدوء. ومن المفيد أن يحدد الرائي ما يزعجه فعلًا وأن يفكر في حل بسيط له. فالأمر المسمى يصغر في النفس، والأمر المبهم يكبر. وليس في هذا الحلم ما يدل على ضعف.
وإذا كانت الرائية ربة بيت فقد يعبّر الحلم عن ضجيج الأيام وتعدد المطالب. وإذا كان الرائي ربًّا لأسرة فقد يرمز إلى انزعاج من أمور صغيرة متراكمة. أما الشاب أو الفتاة فقد يرى فيه أثر رهبة قديمة من الحيوانات. وكبير السن قد يراه ذكرى من أيام مضت. وفي كل ذلك لا يكون الهروب علامة تقصير، فهو إشارة مفهومة إلى حاجة النفس إلى الهدوء.
تفاصيل الحلم تضيف معنى. فلون الكلب وحجمه وهيئته وصوته ومكانه، كلها قد تشير إلى طبيعة الانزعاج الذي يشعر به الرائي. ومن هرب وحده فقد يميل إلى الاعتماد على نفسه، ومن هرب مع غيره فقد يحتاج إلى سند. وقد يدل دخول الرائي إلى بيت وإغلاقه الباب على رغبة في الحماية والهدوء. وليس لأي من هذه التفاصيل دلالة ثابتة عند الجميع.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى الالتفات إلى مصادر الانزعاج اليومية وإلى تخفيفها بهدوء. ويفيد أن ينظم الرائي وقته، وأن يتكلم مع أحد يثق به عمّا يضايقه، وأن يخصص وقتًا للراحة. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. فإذا تكرر الخوف الشديد أو استمر القلق أو عادت الكوابيس مرارًا فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. وإن كان خوفه من الحيوانات حقيقيًا ومستمرًا فمن المناسب أن يتدرج في مواجهته بمساعدة مختص.
وتبقى هذه القراءة اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ والصواب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالسكينة وراحة البال. ثم يمضي في يومه بهدوء، فالطمأنينة تأتي من تهدئة النفس ومن التوكل على الله.
