رؤية الهروب من اجتماع من الأحلام التي قد يراها من يكثر من الاجتماعات والمواعيد، وقد يراها غيرهم أيضًا. وهي رؤيا رمزية في الغالب تتشكل من أحوال الإنسان ومخاوفه الصغيرة وتطلعاته. ولا يصح أن يُتخذ أي تفسير حقيقة قاطعة، فالمعنى يختلف من رائٍ إلى آخر. ويحسن أن ينظر الرائي في شعوره أثناء الحلم، هل كان محرجًا أم متعبًا أم مستعجلًا. وما يرد هنا احتمالات تُعرض بهدوء ولا تُعد جزمًا بشيء.
الاجتماع في الأحلام يرمز عادة إلى مواقف يُنتظر فيها من الإنسان رأي أو حضور أو مشاركة. والهروب منه يشير في الجملة إلى رغبة في الابتعاد عن أنظار الآخرين أو عن موقف فيه ضغط وتقييم. وقد يعبّر الحلم عن شعور بالحرج أو بكثرة المطالب الاجتماعية. وليس فيه ما يدل على أمر سيئ قادم، فهو انعكاس طبيعي لما يشعر به كثيرون قبل المواقف التي يُنظر فيها إليهم. وكثيرًا ما يأتي في فترات الانشغال بالأعمال الجماعية.
نُسب إلى ابن سيرين أن المجالس في المنام تدل على أحوال أهلها وعلى ما يدور فيها من كلام ومشورة. وذُكر عنه أن الخروج من المجلس قد يُفسر بحسب هيئة الخارج وما كان فيه المجلس من حال. فمن رأى أنه ينصرف بهدوء قيل إنه قد يتخلص من موقف مزعج. وهذا من الآراء المتداولة وقد يختلف نقله بين مصادر التعبير. ولذلك لا يُتخذ قاعدة ثابتة ولا يُبنى عليه موقف.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مجالس الناس في المنام تعبّر عن اجتماع الأحوال والأقوال، وأن مفارقتها قد تدل على انصراف عن أمر. ورأى بعض أهل التعبير أن الهروب بحد ذاته قد يشير إلى تهيّب من موقف يحتاج إلى إعداد وتهيئة. وتتسع مساحة الاجتهاد بين الرأيين، فكل مفسر ينظر من زاوية خبرته. ومن الأولى أن يأخذ الرائي ما يوافق حاله. فلا يوجد معنى واحد يناسب الجميع.
للسياق أثر في المعنى. فإن كان الهروب بسبب شعور بالحرج فقد يرتبط بالخوف من الكلام أمام الآخرين، وإن كان بسبب الملل فقد يعبّر عن رغبة في وقت أنفع. وإذا كان الرائي مستعدًا ومع ذلك يهرب فقد يدل ذلك على إرهاق لا على نقص في الكفاءة. وإذا انتهى الحلم بالوصول إلى مكان هادئ فالصورة أقرب إلى الارتياح. أما إن استيقظ مضطربًا فقد يكون الحلم دعوة إلى التمهل.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يرتبط الحلم بالعروض الصفية والنقاش أمام الزملاء. وإذا كان موظفًا فقد يعبّر عن اجتماعات متتابعة تستهلك وقته وتشتت تركيزه. وقد يشير الهروب إلى حاجة صادقة إلى وقت للعمل الهادئ دون مقاطعة. ومن المفيد أن يعدّ نقاطًا قصيرة قبل كل لقاء، وأن يتدرب عليها بصوت منخفض. فالاستعداد البسيط يخفف الرهبة كثيرًا.
وإذا كانت الرائية ربة بيت فقد يرتبط الحلم بمناسبات عائلية أو لقاءات اجتماعية تتطلب جهدًا وتحضيرًا. وإذا كان الرائي شخصًا هادئ الطبع فقد يعبّر الحلم عن حاجته إلى الخلوة بعد كثرة اللقاءات. أما الشاب أو الفتاة فقد يرى فيه صدى لتهيّب التحدث أمام الجمع. وكبير السن قد يراه شعورًا بالبعد عن مجالس لم تعد تناسبه. وهذه المعاني مفهومة ولا تدل على نقص في أحد.
تفاصيل الحلم تضيف معنى. فعدد الحاضرين، وهيئة الطاولة، وشعور الرائي حين التفتوا إليه، كلها قد تشير إلى حجم الضغط الذي يشعر به. ومن هرب وحده فقد يميل إلى الاعتماد على نفسه، ومن خرج مع أحد الحاضرين فقد يحتاج إلى سند. وقد يدل التأخر أو نسيان الأوراق على رغبة في الاستعداد الجيد. وهذه قراءات تقريبية ولا تبلغ اليقين.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى التعامل مع الرهبة الاجتماعية بتدرج. ويفيد أن يبدأ الرائي بمشاركة قصيرة في دائرة صغيرة، وأن يتنفس بعمق قبل الكلام، وأن يطلب من صديق يثق به أن يشجعه. ويفيد كذلك أن يتذكر أن الحاضرين غالبًا منشغلون بأنفسهم أكثر مما يتصور. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. فإذا تكرر الخوف الشديد أو استمر القلق أو عادت الكوابيس مرارًا فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. ومن الجيد أن يتذكر أن شعور الحرج مألوف عند كثيرين.
وتبقى هذه القراءة اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ والصواب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالسكينة وانشراح الصدر. ثم يتجه إلى يومه بثقة هادئة، فالطمأنينة تأتي من الاستعداد ومن التوكل على الله.
