رؤية الهروب من حفلة من الأحلام التي قد تتكرر عند من يمرون بفترة مليئة بالمناسبات واللقاءات. وهي رؤيا رمزية في الغالب تتشكل مما يعيشه الإنسان من علاقات ومواقف اجتماعية. ولا يصح أن يُتخذ أي تفسير حقيقة قاطعة، فالمعنى يختلف من رائٍ إلى آخر بحسب حاله وطبعه. ويحسن أن ينظر الرائي في شعوره أثناء الحلم، هل كان متعبًا أم محرجًا أم راغبًا في الانصراف. وما يلي احتمالات تُعرض بهدوء وليست جزمًا بشيء.
الحفلة في الأحلام ترمز عادة إلى الاجتماع والمشاركة والتوقعات الاجتماعية التي تحيط بالإنسان. والهروب منها يشير في الجملة إلى رغبة في الابتعاد عن الضجيج والأنظار والعودة إلى الهدوء. وقد يعبّر الحلم عن إرهاق من كثرة اللقاءات، أو عن شعور بأن المجاملات صارت أثقل مما ينبغي. وليس فيه ما يدل على أمر سيئ قادم، فكثير من الناس يحبون أهلهم وأصحابهم ويتعبون مع ذلك من الازدحام الاجتماعي. وهذه الرؤيا قد تكون تذكيرًا بأن النفس تحتاج إلى خلوة بعد الاختلاط.
نُسب إلى ابن سيرين أن اجتماع الناس في المنام على مناسبة قد يدل على أحوال أهلها وما يتصل بهم من أفراح وانشغالات. وذُكر عنه أن الانصراف من المجلس قد يُفسر بحسب حال الخارج وهيئة المجلس. فمن رأى أنه يغادر بهدوء قيل إنه قد يرتاح من موقف يشغله. وهذا من الآراء المتداولة وقد يختلف نقله وتفاصيله بين مصادر التعبير. ولذلك يؤخذ على سبيل الاستئناس لا على سبيل القطع، ولا يُبنى عليه قرار.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المناسبات واجتماع الخلق في المنام قد تعبّر عن أحوال الدنيا وما فيها من شواغل، وأن مفارقتها قد تدل على انصراف عن شأن من شؤونها. ورأى بعض أهل التعبير أن الهروب بحد ذاته قد يشير إلى تهيّب من موقف اجتماعي يحتاج إلى استعداد نفسي. وتتسع مساحة الاجتهاد بين الرأيين، فكل مفسر ينظر من زاوية خبرته. ومن الأولى أن يأخذ الرائي ما يوافق حاله. فلا يوجد معنى واحد ينطبق على كل من رأى هذه الرؤيا.
للسياق أثر في المعنى. فإن كان الهروب بسبب الضجيج فقد يعبّر عن حاجة إلى هدوء، وإن كان بسبب الحرج من أشخاص محددين فقد يتصل بتوتر اجتماعي عام لا بحقيقة ما حدث. وإذا غادر الرائي بلا استعجال فقد يدل ذلك على رغبة في انسحاب لطيف، وإذا ركض فقد يعكس ضغطًا أكبر. وإذا انتهى الحلم في مكان مفتوح هادئ فالصورة أقرب إلى الارتياح. أما إن استيقظ متعبًا فقد يكون الحلم دعوة إلى إعادة النظر في عدد المناسبات التي يشارك فيها.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يرتبط الحلم بحفلات المدرسة أو الجامعة والمواقف التي يُنتظر فيها الحضور والمشاركة. وإذا كان موظفًا فقد يعبّر عن لقاءات العمل الاجتماعية التي لا يميل إليها. وقد يشير الهروب إلى حاجة صادقة إلى حد أدنى من الاختيار في ما يحضره. ومن المفيد أن يحدد الرائي أي المناسبات تهمه حقًا، وأن يعتذر بلطف عن غيرها. فالاعتذار المهذب لا ينقص من المودة شيئًا. وليس في الانصراف ما يدل على قلة اجتماعية.
وإذا كانت الرائية ربة بيت فقد يرتبط الحلم بتحضير المناسبات واستضافة الأقارب وما فيه من جهد وقلق من التقصير. وإذا كان الرائي شخصًا يتحمل مسؤولية تنظيم لقاءات الأسرة فقد يعبّر عن ثقل الدور. أما الشاب أو الفتاة فقد يرى فيه صدى لتوتر الظهور أمام الآخرين. وكبير السن قد يراه شوقًا إلى جلسات أهدأ وأقل صخبًا. وكل هذه المعاني مفهومة وتعكس طباع الناس المختلفة، فمنهم من يستمد طاقته من الجمع ومنهم من يستمدها من الخلوة.
تفاصيل الحلم تضيف معنى. فاتساع القاعة أو ضيقها، وعدد الحاضرين، وهل كان الرائي يعرفهم، كلها قد تشير إلى مقدار ما يشعر به من ضغط اجتماعي. ومن هرب وحده فقد يميل إلى الاعتماد على نفسه، ومن خرج مع صديق فقد يحتاج إلى من يؤنسه. وقد يدل الملبس غير المناسب أو الارتباك في الكلام على رغبة في الظهور بصورة حسنة. وهذه قراءات تقريبية ولا تبلغ درجة اليقين.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى تنظيم الحياة الاجتماعية بما يناسب طبع الرائي. ويفيد أن يخصص وقتًا للهدوء بعد المناسبات، وأن يختار اللقاءات الأقرب إلى قلبه، وأن يتكلم بصراحة ولطف مع من حوله عن حاجته إلى الخصوصية. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. فإذا تكرر الخوف الشديد أو استمر القلق أو عادت الكوابيس مرارًا فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
وتبقى هذه القراءة اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ والصواب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالسكينة وراحة البال. ثم يمضي في يومه بقلب هادئ، فالطمأنينة تأتي من التوازن بين الاجتماع والخلوة ومن التوكل على الله.
