رؤية الهروب من مدرسة من الأحلام الشائعة عند كثيرين، سواء كانوا طلابًا أم تجاوزوا سنوات الدراسة منذ زمن. وهي كغيرها من الرؤى صورة رمزية تتأثر بما يعيشه الإنسان من أحوال وبما يشغل فكره. ولا يصح أن يُعد أي تفسير حقيقة قاطعة، فالمعنى يختلف من رائٍ إلى آخر. ويحسن أن يتأمل الرائي شعوره أثناء الحلم قبل أن يبحث عن دلالة عامة. وما يرد هنا احتمالات تُعرض بهدوء ولا تُعد جزمًا بشيء.
المدرسة في الأحلام ترمز عادة إلى التعلم والواجبات والتقييم وما يرافق ذلك من شعور بالمسؤولية. والهروب منها يشير في الجملة إلى رغبة في الابتعاد عن ضغط أو التزام يثقل الرائي في هذه الفترة. وقد يعبّر الحلم عن حاجة إلى استراحة من أمر يُطلب منه إتقانه أو إثبات نفسه فيه. وليس فيه ما يدل على أمر سيئ قادم، فهو انعكاس طبيعي لما يحمله الإنسان من تطلعات وأعباء. وكثيرًا ما يرى الكبار هذه الصورة حين يمرون بمواقف تذكّرهم بالاختبار والمحاسبة.
نُسب إلى ابن سيرين أن العلم والتعلم في المنام يدلان على حال الرائي وما يطلبه من أمور دينه ودنياه. وذُكر عنه أن مكان الدرس قد يرمز إلى مجلس يتلقى فيه الإنسان نصحًا أو توجيهًا بحسب هيئة الرؤيا. فمن رأى أنه يخرج من مدرسة بهدوء قيل إنه قد يتخفف من أمر كان يشغله. وهذا من الآراء المتداولة وقد تتفاوت نسبته وتفاصيله بين مصادر التعبير. ولذلك يؤخذ على سبيل الاستئناس لا على سبيل القطع.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المدرسة والمكتب قد ترمز إلى مكان التأديب والتهذيب، وأن مفارقتها قد تدل على انتقال من طور إلى طور. ورأى بعض أهل التعبير أن الهروب بحد ذاته قد يشير إلى ميل إلى التهرب من أمر يحتاج إلى مواجهة هادئة. وتتسع مساحة الاجتهاد بين الرأيين، فكل مفسر ينظر من زاوية خبرته. ومن الأولى أن يأخذ الرائي ما يوافق حاله ويدع غيره. فلا يوجد معنى واحد يناسب الجميع.
للسياق أثر كبير في المعنى. فإن كان الرائي يهرب من فصل دراسي وهو يشعر بالخجل أو القلق فقد يرتبط ذلك بخوف من التقييم، وإن كان يهرب وهو مرح فقد يعبّر عن شوق إلى الحرية. وإذا كانت الساحة خالية من أحد فالصورة قد تدل على رغبة في الخلوة. أما إذا كان المعلم أو الزملاء حاضرين فقد يتصل الأمر بعلاقات أو مواقف اجتماعية. وإن بقي الشعور بالضيق بعد الاستيقاظ فقد يكون دعوة لطيفة إلى مراجعة ما يثقل الأيام.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يعكس الحلم ضغط الدراسة وكثرة الواجبات وقلق الاختبارات، وقد يشير الهروب إلى حاجة صادقة إلى فسحة بين فترات الجد. ومن المفيد أن ينظم وقته ويقسم المواد إلى أجزاء صغيرة، وأن يجعل لنفسه استراحات قصيرة. وإذا كان يشعر بتعب مستمر فليحدّث معلمه أو أهله بصراحة. فكثير من الضغط يخف حين يُقال بصوت مسموع. وليس في الهروب هنا ما يدل على كسل.
وإذا كان الرائي موظفًا أو ربّ أسرة تجاوز مرحلة الدراسة، فقد يرتبط الحلم بمواقف في الحياة تذكره بالتقييم والمقارنة، كمهمة جديدة أو مطلب متجدد. وإذا كانت الرائية ربة بيت فقد تعبّر الرؤيا عن حنين إلى زمن كانت فيه الأعباء أخف. وقد يكون الحلم عند من يتعلم مهارة جديدة صورة لرغبة في الاستراحة من التعلم المتواصل. أما كبير السن فقد يراه ذكرى تعود بحسب ما في قلبه من حنين. وكل ذلك احتمالات لا تُلزم أحدًا.
تفاصيل الحلم تضيف معنى. فالبوابة والسور وجرس الحصة والحقيبة، كلها عناصر قد تشير إلى طبيعة الالتزام الذي يرغب الرائي في الابتعاد عنه. ومن هرب وحده فقد يميل إلى الاعتماد على نفسه، ومن هرب مع زميل فقد يحتاج إلى رفقة تخفف عنه. وقد يدل التأخر عن الحصة أو ضياع الجدول على شعور بعدم الاستعداد. وهذه قراءات تقريبية ولا تبلغ درجة اليقين.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم تذكيرًا بأهمية تنظيم الوقت والاستعداد دون مبالغة في القلق. ويفيد أن يضع الرائي جدولًا بسيطًا يوازن فيه بين الجد والراحة، وأن يطلب العون ممن حوله، وأن ينام نومًا كافيًا. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. فإذا تكرر الخوف الشديد أو استمر القلق أو عادت الكوابيس مرارًا فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. ومن الجيد أن يتذكر أن القلق قبل الاختبار شعور مألوف يمر به كثيرون.
وتبقى هذه القراءة اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ والصواب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالتوفيق وراحة البال. ثم يمضي في يومه بجد وسكينة، فالطمأنينة تأتي من الاستعداد الهادئ ومن التوكل على الله.
