رؤية الهروب من برد شديد من الأحلام التي يتذكر فيها الرائي صقيع الهواء ورعشة الجسد ورغبته في الوصول إلى مكان دافئ. وهي في الغالب صورة رمزية تتشكل مما يعيشه الإنسان من مشاعر وانشغالات. ولا يصح أن يُتخذ أي تفسير حقيقة قاطعة، فالدلالة تختلف باختلاف الرائي وظروفه. ويحسن أن يتأمل شعوره أثناء الحلم، هل كان متعبًا أم وحيدًا أم مستعجلًا للدفء. وما يلي احتمالات تُعرض بهدوء وليست جزمًا بشيء.
البرد في الأحلام يرمز عادة إلى الجفاف العاطفي أو الوحدة أو الجمود في حال من الأحوال، وقد يكون صورة لما يحتاج فيه الإنسان إلى أنس ودفء. والهروب منه يشير في الجملة إلى رغبة في الوصول إلى مكان تسوده الألفة والطمأنينة. وقد يعبّر الحلم عن شعور بقلة الأنس أو بجمود الروتين. وليس في هذه الصورة ما يدل على أمر سيئ قادم، فهي انعكاس لحاجة إنسانية مألوفة إلى القرب. وكثيرًا ما تظهر في فترات البعد عن الأهل أو الانشغال الطويل.
نُسب إلى ابن سيرين أن الشدائد الجوية في المنام قد تدل على أحوال تتصل بالرائي ومعاشه بحسب هيئتها وحاله معها. وذُكر عنه أن الخلاص منها في الرؤيا يُفسر بالراحة بقدر ما. فمن رأى أنه يدخل إلى بيت دافئ بعد البرد قيل إنه قد يرتاح من شدة كان فيها. وهذا من الآراء المتداولة وقد تختلف نسبته وتفاصيله بين مصادر التعبير. ولذلك يؤخذ على سبيل الاستئناس لا القطع.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للبرد في الرؤيا دلالات متعددة بحسب شدته ووقته، وأن الدفء بعده قد يدل على فرج بقدر ما. ورأى بعض أهل التعبير أن الأمر يرجع إلى حال الرائي وما يشعر به من وحدة أو جمود. وتتسع مساحة الاجتهاد بين الآراء، ولا يصح الجزم بمعنى محدد. ومن الأولى أن يأخذ الرائي ما يوافق حاله. فلا يوجد معنى واحد يصلح للجميع.
للسياق أثر في المعنى. فإن كان الرائي يجري إلى مأوى دافئ بلهفة فقد يدل ذلك على شوق إلى الأنس، وإن كان يمشي بهدوء فقد يعبّر عن رغبة في تغيير هادئ. وإذا وصل إلى موقد أو غطاء أو بيت فالصورة أقرب إلى الارتياح. وإذا كان معه أحد يدفئه فقد يتصل الحلم بحاجته إلى رفقة. أما إن استيقظ متعبًا فقد يكون الحلم دعوة إلى التواصل مع من يحب.
إذا كان الرائي طالبًا مغتربًا أو بعيدًا عن أهله فقد يرتبط الحلم بالشوق إلى الدفء الأسري. وإذا كان موظفًا فقد يعبّر عن جو عمل جاف أو علاقات رسمية باردة. وقد يشير الهروب إلى حاجة إلى لقاءات ودية. ومن المفيد أن يتصل الرائي بمن يحب وأن يخصص وقتًا للجلوس مع أصدقائه. فالأنس يرفع عن القلب ثقل الوحدة. وليس في هذا الحلم ما يدل على ضعف.
وإذا كانت الرائية ربة بيت فقد يعبّر الحلم عن حاجة إلى كلمة طيبة وتقدير من أهلها. وإذا كان الرائي ربًّا لأسرة فقد يرمز إلى انشغال يحجب الدفء عن الجلسات العائلية. أما الشاب أو الفتاة فقد يرى فيه صدى لوحدة في مرحلة جديدة. وكبير السن قد يراه شوقًا إلى لمة أهله وأحفاده. وفي كل ذلك لا يكون الهروب علامة تقصير، فهو إشارة مفهومة إلى حاجة النفس إلى دفء.
تفاصيل الحلم تضيف معنى. فبياض الثلج أو سكون الهواء وهل كان الرائي مغطى جيدًا، وهل وجد مأوى قريبًا، كلها قد تشير إلى طبيعة ما يشعر به. ومن هرب وحده فقد يميل إلى الاعتماد على نفسه، ومن هرب مع غيره فقد يحتاج إلى سند. وقد يدل ارتداء ثياب ثقيلة على رغبة في الحماية. وليس لأي من هذه التفاصيل دلالة ثابتة عند الجميع، فلكل رائٍ تجربته ومشاعره الخاصة وحاله الذي يعرفه أكثر من غيره.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى طلب الدفء العاطفي بالتواصل مع الأحبة. ويفيد أن يخصص الرائي وقتًا للجلوس مع أهله أو أصدقائه، وأن يعتني بنومه ولباسه، وأن يتكلم عمّا يشعر به. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. فإذا تكرر الخوف الشديد أو استمر القلق أو عادت الكوابيس مرارًا فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. ومن الجيد أن يتذكر أن كلمة طيبة قد تدفئ يومًا كاملًا. وكل علاقة تحتاج إلى عناية بسيطة تتجدد بها.
وتبقى هذه القراءة اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ والصواب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالسكينة والأنس. ثم يمضي في يومه بقلب دافئ، فالطمأنينة تأتي من القرب من الأحبة ومن التوكل على الله.
