رؤية الهروب من نفق من الأحلام التي يتذكر فيها الرائي الجدران القريبة والطريق الممتد وبحثه عن نهاية له. وهي كغيرها من الرؤى صورة رمزية تتأثر بما يمر به الإنسان من أحوال وما يشغل ذهنه. ولا يصح أن يُتخذ أي تفسير حقيقة ثابتة، فالدلالة تتبدل من شخص إلى آخر. ويحسن أن ينظر الرائي في شعوره أثناء الحلم وبعده قبل أن يبحث عن معنى عام. وما يأتي بعد ذلك احتمالات تُعرض بهدوء لا أكثر.
النفق في الأحلام يرمز في الغالب إلى مرحلة تحتاج إلى صبر أو إلى مسار ضيق يمر به الإنسان إلى حال أوسع. والهروب منه يشير في الجملة إلى رغبة في الخروج من تلك المرحلة والوصول إلى فضاء أرحب. وقد يعبّر الحلم عن شعور بأن الأيام الحالية طويلة وتحتاج إلى مزيد من الجهد. وليس فيه ما يدل على أمر سيئ ينتظر، بل هو انعكاس لحاجة النفس إلى الأمل والمخرج. وكثيرًا ما تظهر هذه الصورة في فترات الانتظار.
نُسب إلى ابن سيرين أن الضيق في المنام يدل على هم أو انشغال، وأن الخروج منه إلى السعة يدل على انفراج بحسب حال الرائي. وذُكر عنه أن الطريق الممتد قد يرمز إلى مدة من الزمن يقطعها الإنسان في أمره. فمن رأى أنه يخرج من الممر الطويل إلى الضوء قيل إنه قد يرتاح مما كان يثقله. وهذا من الآراء المتداولة في كتب التعبير وقد يختلف نقله بين مصدر وآخر. ولذلك لا يُبنى عليه موقف حاسم.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الطرق الضيقة في المنام قد تعبّر عن شدة معاش أو تضييق في الأحوال، وأن الاتساع بعدها يدل على فرج بقدر ما. ورأى بعض أهل التعبير أن الهروب وحده قد يشير إلى استعجال في الخلاص من أمر يحتاج إلى مزيد من التأني، وهذا اجتهاد في القراءة لا أكثر. وتتعدد الآراء بحسب القرائن. ومن الأولى أن يأخذ الرائي ما يوافق ظروفه. فلا يوجد معنى واحد يصلح للجميع.
للسياق أثر في المعنى. فإن كان النفق مظلمًا فقد يرتبط الحلم بغموض مرحلة لم تتضح معالمها، وإن كان مضاءً فقد يدل على وضوح قريب. وإذا كان الهروب جريًا سريعًا فقد يعكس رغبة في إنهاء أمر طال، وإذا كان مشيًا هادئًا فقد يعبّر عن صبر وتدرج. وإذا ظهر ضوء في الطرف الآخر فالصورة أقرب إلى الأمل والارتياح. أما إن لم يظهر مخرج وبقي التعب عند الاستيقاظ فقد يكون ذلك دعوة إلى الراحة والتأمل.
إذا كان الرائي طالبًا فقد يرمز النفق إلى فترة الامتحانات أو سنة دراسية مكثفة، وفي الهروب رغبة في الوصول إلى نهايتها. وإذا كان موظفًا فقد يشير إلى مشروع طويل أو فترة ضغط في العمل. ومن المفيد أن يقسم الرائي الطريق إلى محطات صغيرة، وأن يكافئ نفسه عند كل محطة. فالطريق الطويل يخف حين يُقسَّم.
وإذا كانت الرائية ربة بيت فقد يعبّر الحلم عن فترة مليئة بالمهام المتتابعة وانتظار زمن أخف. وإذا كان الرائي ربًّا لأسرة فقد يرمز إلى مرحلة ثقل مالي أو انشغال طويل يتمنى لها نهاية. أما الشاب أو الفتاة فقد يرى فيه الانتظار الذي يسبق خطوة جديدة. وكبير السن قد يراه استعادة لسنوات مضت وتطلعًا إلى سكينة أوسع. ولا يدل الهروب هنا على تقصير، بل على شوق مفهوم إلى الخفة.
تفاصيل الحلم تضيف معنى أدق. فطول النفق، وضيقه، وصوت الصدى، ووجود أحد معه في الطريق، كلها قد تشير إلى ما يشعر به الرائي من وحدة أو دعم. ومن خرج وحده فقد يميل إلى الاعتماد على نفسه، ومن سار برفقة غيره فقد يحتاج إلى سند. وهذه قراءات تقريبية لا تبلغ اليقين.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى الصبر المنظم لا إلى الاستعجال. ويفيد أن يخصص الرائي وقتًا للراحة، وأن يحدد خطوات قريبة يمكن إنجازها، وأن يطلب الدعم من أهله وأصدقائه. ومن الجيد أن يتذكر الرائي أن كل مرحلة مهما طالت لها نهاية، وأن الصبر المصحوب بالعمل يخفف وطأة الأيام. ويمكنه أن يجعل في يومه شيئًا صغيرًا يسعد به، كمشي قصير أو لقاء مع قريب أو قراءة هادئة، فتخف بذلك وحشة الطريق. وهذا الحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية. فإذا تكرر الخوف الشديد أو استمر القلق أو عادت الكوابيس مرارًا فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل.
وتبقى هذه القراءة اجتهادًا بشريًا ظنيًا يحتمل الخطأ والصواب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُبنى على الحلم قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالفرج وطمأنينة القلب. ثم يمضي في طريقه بخطى ثابتة، فالضوء في آخر الطريق يقرب بالصبر والتوكل على الله.
