الهروب من نافذة في المنام مشهد يوحي بأن الرائي لم يجد الباب فاتجه إلى منفذ آخر. وهذه الصورة كثيرًا ما تثير التساؤل لأنها تجمع بين الضيق والحيلة والبحث عن مخرج. والرؤيا في أصلها صور رمزية تتشكل من أفكار الرائي ومشاعره وما يمر به في أيامه، وليست خبرًا مؤكدًا عن أمر محدد. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء وبعيدًا عن التهويل. وما يُذكر هنا اجتهاد في الفهم لا قطع فيه.
رمزية الهروب في المنام تدور غالبًا حول الرغبة في الابتعاد عن ضغط أو مسؤولية أو موقف مزعج. وقد تدل على حاجة الرائي إلى الراحة وإلى مساحة يهدأ فيها بعد انشغال طويل. كما قد تعكس بحثًا عن مخرج من أمر يشغل البال، أو رغبة في مواجهة قلق ظل مؤجلًا. وحين يكون الخروج من نافذة فالصورة توحي بأن الرائي يرى الطرق المعتادة مغلقة فيبحث عن طريق آخر. ومع ذلك لا يصح حصر المعنى في وجه واحد، فالتفاصيل وحال الرائي لهما اعتبار.
نُسب إلى ابن سيرين أن البيت في الرؤيا قد يرمز إلى حال صاحبه وما يحيط به، وأن النافذة قد تُفهم على أنها منفذ للنظر والتواصل مع الخارج. ومن هنا قد يُقرأ الهروب من نافذة على أنه رغبة في الخروج من حال محصورة بوسيلة غير مألوفة. ونُسب إليه أن اتساع المنفذ قد يعكس سعة في الأمر، وأن ضيقه قد يعكس شعورًا بالانحصار. وهذه الأقوال اجتهادات اختلفت فيها الأنظار، فلا تُعد قواعد تنطبق على كل رائي. ويبقى النظر إلى حال صاحب الرؤيا أولى.
ذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخروج من موضع إلى آخر في الرؤيا قد يدل على تبدل الأحوال، وأن المنافذ في البيت قد ترتبط بوجوه الاتصال بما حوله. وعلى هذا قد يُفهم الهروب من النافذة على أنه إحساس بأن الطريق المباشر غير متاح فيلجأ الرائي إلى طريق جانبي. أما الإطلالة من النافذة فقد تعكس رغبة في رؤية الأمور من زاوية أخرى. ويختلف المفسرون في تقدير هذه التفاصيل اختلافًا واسعًا. فلا تُفهم هذه الآراء على أنها بشارة مضمونة أو إشارة إلى أمر مخيف.
ويؤثر السياق في المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإذا كانت النافذة واسعة والخروج منها سهلًا والرائي مطمئنًا فقد تدل الصورة على رغبة هادئة في إيجاد حل بديل. وإذا كان الخروج عسيرًا والرائي متوترًا فقد تعكس إحساسًا بالضيق أو بنفاد الخيارات. ولمكان النافذة أثر كذلك، فالنافذة المطلة على حديقة تختلف في دلالتها عن النافذة المطلة على شارع. وحال الرائي عند الاستيقاظ قرينة مهمة، أمرتاح هو أم منزعج.
بالنسبة إلى المرأة العزباء قد تعكس الرؤيا رغبة في الاستقلال وفي إيجاد طريق مختلف في دراستها أو عملها بعيدًا عن الضغط. وقد تدل على قرار تؤجله وتحتاج إلى وقت لتهدأ قبله. أما المرأة المتزوجة فقد تشير الصورة إلى حاجتها إلى فسحة من مسؤوليات البيت والأسرة، وإلى مساحة خاصة داخل الدار. والمرأة الحامل قد تشعر بتعب فتظهر الصورة تعبيرًا عن حاجتها إلى الراحة والدعم. وكل ذلك احتمالات يحسن ألا يُجزم بها.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد تتصل الصورة بتزاحم الأعباء في العمل أو الأسرة ورغبته في إيجاد مخرج منها. وللطالب قد تعبر عن رهبة من واجب أو اختبار ورغبة في الابتعاد عنه مؤقتًا. أما صاحب العمل فقد يجد فيها دعوة إلى التفكير بحلول غير تقليدية وترتيب أولوياته. ومن يمر بمرحلة تغيير في حياته قد تظهر له الصورة لأن البحث عن بديل حاضر في ذهنه. وتبقى الدلالة مرتبطة بواقعه وبما يشعر به.
وللتفاصيل أثر في الفهم. فارتفاع النافذة عن الأرض قد يوحي بمقدار ما يشعر به الرائي من تحفظ تجاه خطوته، وانخفاضها قد يوحي بأن المخرج قريب. وإذا كانت النافذة تطل على مكان مألوف فقد يعكس ذلك شعورًا بالألفة، وإن أطلت على مكان غريب فقد يعكس فضولًا أو ترقبًا. وإن كان الرائي يخرج بهدوء فذلك أقرب إلى التدبير، وإن كان يخرج بعجلة فذلك أقرب إلى الاستعجال. ويحسن أن يعود إلى أكثر ما ترك أثرًا في نفسه من مشاعر.
من الناحية النفسية قد تكون الرؤيا انعكاسًا لانشغال الذهن بأمر ضاغط في اليقظة، فيظهر في المنام على هيئة خروج من منفذ غير معتاد. ويفيد الرائي أن يسأل نفسه عما يثقل عليه فعلًا، وأن يفكر بحلول مختلفة وأن يمنح نفسه وقتًا للراحة. كما يفيده الكلام مع من يثق به عما يشغله. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية أو نفسية، فإن كان الخوف شديدًا أو القلق مستمرًا أو الكوابيس تتكرر فمن المناسب الكلام مع مختص أو أحد الأهل. والرؤيا لا تغني عن الأخذ بالأسباب.
وخلاصة القول أن الهروب من نافذة في المنام صورة رمزية تحتمل أكثر من معنى، وما ذُكر فيها اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ. ولا يصح بناء قرار مصيري على رؤيا وحدها. وحسن الظن بالله أولى ما يلزمه الرائي، مع دعاء بأن يرزقه الله الطمأنينة وانشراح الصدر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الرائي إلا أن يسعى بما يستطيع ويترك الباقي لربه.
