رؤيا الهروب مشهد يتكرر في المنامات، وتتغير دلالته بتغير حال صاحبه وعمله. وحين يراه التاجر فإن النظر يتجه إلى ما يحمله من التزامات في تجارته وعلاقاته بالناس وانشغاله بتدبير أموره. والرؤيا رمز لا يُقرأ بظاهره، وما يُذكر هنا فهم عام يحتمل الصواب والخطأ. ولا يُراد به الإخبار عن ربح أو خسارة، فهذا لا يُعرف من الأحلام. وإنما هو قراءة هادئة تفيد في التأمل. والأحلام في الغالب تتغذى من أفكار النهار وهمومه.
الهروب في المنام يشير غالبًا إلى رغبة في الابتعاد عن ضغط أو مسؤولية أو موقف مزعج. وقد يدل على حاجة إلى الراحة والبحث عن مخرج مما يثقل الصدر. وقد يكون ترجمة لقلق يتراكم في الداخل دون أن يجد طريقه إلى الكلام. وليس من الصواب الجزم بمعنى واحد، فالرمز يتسع لأكثر من تأويل. والأقرب أن يُنظر إليه كشعور داخلي لا كخبر. وبذلك يخف أثره على النفس.
ومما نُسب إلى ابن سيرين أن التعبير يقوم على النظر في حال الرائي وصنعته وما يغلب عليه. وتُنقل عنه إشارات إلى أن المعنى يختلف بين التاجر وغيره، لأن لكل صنعة همومها. ولذلك لا يصح أن تُعطى رؤيا الهروب تفسيرًا جاهزًا يصلح لكل رائٍ. ويُفهم من هذا المنهج أن رؤيا التاجر تُقرأ في ضوء عمله وأيامه. ويبقى الإنصاف أن يُترك الباب مفتوحًا لأكثر من احتمال. وفي هذا سعة لمن طلب الفهم بهدوء.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للرؤيا صلة بما يشغل القلب في اليقظة وما يتكرر على الخاطر. ويُفهم من ذلك أن الهروب قد يكون صدى لتفكير طويل في أعباء العمل. غير أن أهل التعبير مختلفون في تفاصيل كثيرة، ولكل منهم طريقته. فلا يصح أن يُفضَّل قول واحد على غيره بلا مرجح. والأحسن أن تؤخذ المعاني العامة التي تتقارب فيها الأقوال. وأن يُترك ما سواها لما يطمئن إليه الرائي.
يتغير معنى الهروب بتغير السياق الذي جاء فيه. فالهروب في السوق أو المتجر يختلف عن الهروب في مكان لم يره الرائي من قبل. ويختلف الهروب الذي يصحبه ثقل عن الهروب الذي يصحبه خفة. وشعور التاجر عند الاستيقاظ دليل مفيد، فمن قام مرتاحًا ليس كمن قام مرهقًا. ويفيد أن يتذكر ما شغله في الأيام السابقة من أعمال ومواعيد. وبذلك يقترب الفهم من واقعه.
التاجر يعيش بين التزامات متعددة، من مواعيد وتعاملات وحسابات وعلاقات مع الناس. وقد يُفهم الهروب في منامه على أنه رغبة في استراحة من هذا الزحام، لا تخلٍّ عن عمله. وقد يعبّر عن إحساس بكثرة المسؤوليات وعدم اتساع الوقت لها كلها. وقد يكون كذلك دعوة إلى ترتيب الأولويات وتفويض بعض المهام لمن يوثق به. وليس في ذلك ما يخبر عن حال تجارته، فالحلم لا يكشف الغيب. وهو في الغالب انعكاس لانشغال الذهن.
وقد تتصل الرؤيا بكثرة الحسابات التي يحملها الذهن حتى في أوقات الراحة. وقد تعبّر عن رغبة في ساعات هادئة بعيدًا عن الاتصالات والمواعيد. وقد تُفهم أيضًا على أنها اشتياق إلى أيام كان العمل فيها أخف. وكل هذه احتمالات عامة لا يُقطع بواحد منها، والتاجر أقدر على معرفة ما يناسب حاله. ويكفي أن يتعامل مع الحلم بوصفه تذكيرًا بالرفق بنفسه. وليس بين هذه المعاني تعارض.
لتفاصيل المنام أثر في المعنى. فإن كان الهروب إلى مكان واسع هادئ فهو أقرب إلى طلب السكينة، وإن كان بين أزقة ضيقة فقد يشير إلى تزاحم الأمور في الذهن. ووجود شركاء أو عملاء في الحلم يدل غالبًا على أثر الأعمال في شعور الرائي. وإن لم يتذكر التاجر التفاصيل فالمعنى العام كاف. وبعض الأحلام لا تحمل أكثر من أثر يوم مزدحم. فلا حاجة إلى تحميلها فوق ما تحتمل.
من الناحية العملية يفيد أن يخصص التاجر وقتًا يوميًا بعيدًا عن العمل، ولو كان قصيرًا. ويفيد أن يكتب مهامه ويرتبها بحسب أهميتها، وأن يوزع بعضها على من يثق بهم. ويفيد كذلك أن ينام نومًا كافيًا وأن يمشي قليلًا في اليوم. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا اشتد القلق أو استمر طويلًا فالأنسب أن يتكلم مع مختص أو أحد الأهل. وفي مشورة الناصحين الصادقين خير كثير.
ما ذُكر في هذه القراءة اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُجزم فيه بشيء مما سيكون. فالرؤيا صورة تعبر النفس ثم تمضي. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه ظنون واجتهادات. ويُرجى أن يمنح الله الرائي سكينة في قلبه وسعة في أمره.
