من صور الهروب في المنام أن يبدأ دون مقدمات، فيجد الرائي نفسه يركض أو يبتعد دون أن يعرف كيف بدأ الأمر. وهذه الصورة تختلف دلالتها بتغير حال الرائي وما يمر به. والرؤيا رمز لا يُقرأ بظاهره، وما يُذكر هنا فهم عام يحتمل الصواب والخطأ. ولا يُراد به الإخبار عن حدث مفاجئ في اليقظة. وإنما هو قراءة هادئة تفيد في التأمل. والأحلام في الغالب تتغذى من مشاعر النهار وما يتراكم فيه.
الهروب الذي يبدأ فجأة يشير غالبًا إلى شعور متراكم بالضغط ظهر في المنام دون إنذار. وقد يدل على رغبة في الابتعاد عن موقف أو مسؤولية ظلت تثقل الصدر حتى ضاق بها. وقد يكون صدى لقلق صغير لم يجد من ينتبه إليه فظهر دفعة واحدة. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالرمز يتسع لأكثر من تأويل. والأقرب أن يُفهم كشعور داخلي لا كخبر عن واقع. وفي هذا ما يخفف أثره.
نُسب إلى ابن سيرين في أصول التعبير أن الرؤيا تُحمل على حال صاحبها وما يغلب على نفسه وقت الحلم. وتُنقل عنه إشارات إلى أن الشعور المصاحب للرؤيا جزء من معناها، وأن الصور تتبدل دلالتها بتبدل الأشخاص. ولذلك لا يصح أن تُعطى رؤيا الهروب الفجائي تفسيرًا جاهزًا. ويُفهم من هذا المنهج أن بدء الهروب يُقرأ بحسب ما يشعر به الرائي عند ظهور المشهد. ويبقى الإنصاف أن يُترك الباب مفتوحًا لأكثر من احتمال. وفي هذا سعة لمن أراد الفهم بهدوء.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للرؤيا صلة بما يشغل الخاطر في اليقظة وبما يتراكم من تعب. ومن هنا يمكن أن يُفهم البدء المفاجئ بوصفه صدى لضغط اجتمع في النفس شيئًا فشيئًا. غير أن أهل التعبير مختلفون في التفاصيل، ولكل منهم وجهته. فلا يصح أن يُرفع قول واحد على غيره بلا مرجح. والأسلم أن تؤخذ المعاني العامة التي تتقارب فيها الأقوال. وأن يُترك ما سواها لما يطمئن إليه الرائي.
للسياق أثر في معنى الرؤيا. فالهروب الذي يبدأ في مكان مألوف كالبيت يختلف عن الذي يبدأ في مكان غريب. ويختلف ما يبدأ بخفة عما يبدأ باضطراب، لأن الشعور هو ما يكشف المعنى. وحال الرائي عند الاستيقاظ دليل مفيد، فمن قام مرتاحًا ليس كمن قام مضطربًا. ويفيد أن يتذكر ما سبق الحلم من يوم وما شغله فيه. وقد يكون لما سُمع أو شوهد قبل النوم أثر في بدء المشهد. وبذلك يقترب الفهم من واقعه.
قد يكون البدء المفاجئ للهروب صورة لأمر ظل الرائي يحمله في صدره دون أن يعبّر عنه. وقد يُفهم على أن الضغط بلغ حدًّا طلبت معه النفس فسحة. وقد يعبّر عن حاجة إلى الانتباه لما كان يُهمل من أمور صغيرة تتراكم. وقد يكون كذلك إشارة إلى أن الرائي يحتاج إلى وقفة هادئة يراجع فيها يومه. وليس في ذلك ما يخبر عن حدث مفاجئ مقبل، فالحلم انعكاس لما في النفس. والمفاجأة هنا في الصورة لا في الواقع.
وقد تتصل الرؤيا بتغير سريع في الجدول أو بكثرة الأمور الطارئة في الأيام الماضية. وقد تعبّر عن اشتياق إلى انتظام وهدوء بعد أيام مضطربة. وقد تُفهم أيضًا على أنها صدى لخبر أو كلمة أثرت في النفس دون أن يلتفت إليها الرائي. وكل هذه احتمالات عامة لا يُقطع بواحد منها، والرائي أقدر على معرفة ما يناسب حاله. ويكفي أن يتعامل مع الحلم بلطف. وليس بين هذه المعاني تعارض.
لتفاصيل المنام أثر في المعنى. فإن هدأ الهروب بعد وقت قصير فهو أقرب إلى انفراج الضغط، وإن استمر طويلًا فقد يشير إلى أمر لم يجد طريقه بعد. ووجود أشخاص مألوفين في الحلم يدل غالبًا على أثر العلاقات في شعور الرائي. وإن لم يتذكر التفاصيل فالمعنى العام كاف. وبعض الأحلام لا تحمل أكثر من أثر يوم مزدحم. فلا حاجة إلى تحميلها فوق ما تحتمل.
من الناحية العملية يفيد أن يخصص الرائي وقتًا في آخر اليوم يكتب فيه ما أزعجه، فتخف حدته قبل النوم. ويفيد أن يهدّئ الأجواء قبل النوم بتقليل الشاشات والأصوات العالية. ويفيد كذلك أن يتحدث مع من يثق به عما يتراكم في صدره. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا اشتد القلق أو استمر طويلًا أو تكررت الكوابيس فالأنسب أن يتكلم مع مختص أو أحد الأهل. وفي الكلام مع الغير تخفيف كثير.
هذا التفسير اجتهاد بشري ظني يُقصد به الإيضاح العام ولا يُجزم فيه بشيء. وتختلف الرؤيا من شخص إلى آخر بحسب حاله وما يمر به. فيحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الحال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه ظنون واجتهادات. ويُرجى أن يمنح الله الرائي سكينة في قلبه وسعة في أمره.
