من صور الهروب في المنام أن يقع في مكان بلونه غريب لم يألفه الرائي، كأن تتلون الجدران أو الأرض أو السماء بلون غير معتاد. وهذه الصورة تختلف دلالتها بتغير حال الرائي وما يمر به. والرؤيا رمز لا يُقرأ بظاهره، وما يُذكر هنا فهم عام يحتمل الصواب والخطأ. ولا يُراد به أن يُربط لون محدد بحدث أو بنتيجة، فالألوان في الأحلام تتبع شعور الرائي. وإنما هو قراءة هادئة تفيد في التأمل. والأحلام في الغالب تصنعها النفس من مشاعرها وصورها المختزنة.
الهروب في مكان غريب اللون يشير غالبًا إلى رغبة في الابتعاد عن ضغط أو موقف مزعج وسط أجواء غير مألوفة. وقد يدل على شعور بأن الأمور من حول الرائي تغيرت أو صارت أقل ألفة. وقد يكون صدى لقلق من تبدل الأحوال والبحث عن مخرج في أرض لم يعتدها. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالرمز يتسع لأكثر من تأويل. والأقرب أن يُفهم كشعور داخلي لا كخبر عن واقع. وفي هذا ما يخفف أثره.
ومما نُسب إلى ابن سيرين أن التعبير يقوم على النظر في حال الرائي وما يغلب عليه من الشعور. وتُنقل عنه إشارات إلى أن دلالة الأشياء تختلف باختلاف الأشخاص وأحوالهم. ولذلك لا يصح أن تُعطى الألوان قيمة ثابتة تصلح لكل رائٍ. ويُفهم من هذا المنهج أن لون المكان يُقرأ بحسب ما يثيره في نفس الرائي من ارتياح أو غرابة. ويبقى الإنصاف أن يُترك الباب مفتوحًا لأكثر من احتمال. وفي هذا سعة لمن أراد الفهم بهدوء.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للرؤيا صلة بما يشغل القلب في اليقظة وما يتكرر على الخاطر من أمور. ويُفهم من ذلك أن غرابة المكان قد تكون صدى لتغير جديد في حياة الرائي أو لشعور بعدم الألفة. غير أن أهل التعبير مختلفون في تفاصيل كثيرة، ولكل منهم طريقته. فلا يصح أن يُفضَّل قول واحد على غيره بلا مرجح. والأحسن أن تؤخذ المعاني العامة التي تتقارب فيها الأقوال. وأن يُترك ما سواها لما يطمئن إليه الرائي.
للسياق أثر في معنى الرؤيا. فاللون الهادئ في المنام يختلف أثره عن اللون الصاخب، والمكان الغريب الواسع يختلف عن المكان الغريب الضيق. وشعور الرائي في المنام وعند الاستيقاظ دليل مفيد، فمن رأى اللون جميلًا ليس كمن رآه مزعجًا. ويفيد أن يتذكر ما شاهده في يومه من ألوان أو أماكن جديدة. وقد يكون لضوء الغرفة أو ألوان ما شُوهد قبل النوم أثر في الحلم. ولا حاجة إلى البحث عن معنى لكل لون على حدة. وبذلك يقترب الفهم من واقعه.
قد يُفهم اللون الغريب في المنام على أنه صورة لما هو جديد أو غير مألوف في حياة الرائي. وقد يعبّر عن حاجة إلى وقت يتأقلم فيه مع تغيير ما، كمكان أو عمل أو علاقة. وقد يعبّر الهروب فيه عن رغبة في العودة إلى ما هو مألوف وآمن. وقد يكون كذلك دعوة إلى منح النفس مهلة لتعتاد على الجديد. وليس في ذلك ما يخبر عن تغيير قادم، فالحلم انعكاس لما في النفس. واللون هنا شعور لا علامة.
وقد تتصل الرؤيا بكثرة المشاهد البصرية في اليوم، من شاشات وإعلانات وصور متتابعة. وقد تعبّر عن اشتياق إلى بيئة هادئة مألوفة الألوان. وقد تُفهم أيضًا على أنها صدى لفضول أو دهشة من أمر جديد. وكل هذه احتمالات عامة لا يُقطع بواحد منها، والرائي أقدر على معرفة ما يناسب حاله. ويكفي أن يتعامل مع الحلم بلطف. وليس بين هذه المعاني تعارض.
لتفاصيل المنام أثر في المعنى. فإن كان اللون هادئًا ناعمًا فالمشهد أقرب إلى طلب السكينة، وإن كان حادًّا لافتًا فقد يشير إلى توتر الحواس وكثرة المؤثرات. ووجود أشخاص مألوفين في الحلم يدل غالبًا على أثر العلاقات في شعور الرائي. وإن لم يتذكر اللون على وجه الدقة فالمعنى العام كاف. وبعض الأحلام لا تحمل أكثر من أثر يوم مزدحم. فلا حاجة إلى تحميلها فوق ما تحتمل.
من الناحية العملية يفيد أن يهيئ الرائي مكان نومه بإضاءة هادئة وألوان مريحة قدر المستطاع. ويفيد أن يقلل من المؤثرات البصرية الكثيرة قبل النوم. ويفيد كذلك أن يمنح نفسه فسحة للتأقلم مع كل جديد في يومه. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا اشتد القلق أو استمر طويلًا أو تكررت الكوابيس فالأنسب أن يتكلم مع مختص أو أحد الأهل. وفي الهدوء قبل النوم خير كثير.
ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن حسن الظن بالله. فالرؤيا صورة تمر بالنفس ثم تنقضي، ولا تُغير شيئًا بذاتها. وخير ما يفعله الرائي أن يدعو الله بالسكينة وأن يمضي إلى يومه بقلب هادئ. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما يقوله المفسرون محاولات لفهم الرموز. وفي الدعاء وحسن الظن باب واسع من الطمأنينة.
