من صور الهروب في المنام أن يكون في هواء دافئ، فيجد الرائي نفسه يبتعد وهو يشعر بدفء يلف جسده. وهذه الصورة تختلف دلالتها بتغير حال الرائي وما يمر به. والرؤيا رمز لا يُقرأ بظاهره، وما يُذكر هنا فهم عام يحتمل الصواب والخطأ. ولا يُراد به أن يُربط الدفء بخبر أو بنتيجة، فالإحساس في الأحلام يتبع شعور الرائي. وإنما هو قراءة هادئة تفيد في التأمل. والأحلام في الغالب تصنعها النفس من مشاعرها وأحوال جسدها.
الهروب في هواء دافئ يشير غالبًا إلى أن الابتعاد هنا مصحوب بقدر من الأمان أو الألفة. وقد يدل على رغبة في الابتعاد عن ضغط أو موقف مزعج نحو ما يشبه الراحة. وقد يكون صدى لحاجة إلى حنان وسكينة بعد أيام مجهدة. ولا يصح الجزم بمعنى واحد، فالدفء قد يحمل الراحة وقد يحمل الثقل إن زاد. والأقرب أن يُفهم كشعور داخلي لا كخبر عن واقع. وفي هذا ما يخفف أثره.
نُسب إلى ابن سيرين أن الرائي إذا استيقظ مطمئنًا فذلك أقرب إلى سهولة المعنى، وإذا استيقظ مثقلًا فقد يرتبط الحلم بما يشغل باله. وهذه إشارات عامة تُنقل بحذر ولا يُبنى عليها جزم. وهي تؤكد أن الشعور المصاحب للرؤيا جزء من تفسيرها. ومن ثم يُنظر إلى دفء الهواء بحسب ما أحدثه في نفس الرائي من ارتياح أو اختناق. ولا تغني القاعدة العامة عن معرفة حال صاحب الرؤيا. وبذلك يبقى التفسير سعة لا ضيقًا.
وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للرؤيا صلة بما يشغل القلب في اليقظة وما يتكرر على الخاطر من أمور. ويُفهم من ذلك أن إحساس الدفء قد يكون صدى لحال الجسد أو لحرارة الجو أو لحاجة نفسية إلى الأنس. غير أن أهل التعبير مختلفون في تفاصيل كثيرة، ولكل منهم طريقته. فلا يصح أن يُفضَّل قول واحد على غيره بلا مرجح. والأحسن أن تؤخذ المعاني العامة التي تتقارب فيها الأقوال. وأن يُترك ما سواها لما يطمئن إليه الرائي.
للسياق أثر في معنى الرؤيا. فالدفء اللطيف يختلف أثره عن الحرارة الخانقة، والهروب في هواء دافئ في مكان مفتوح يختلف عن الهروب في مكان مغلق. وحال الرائي عند الاستيقاظ دليل مفيد، فمن قام مرتاحًا ليس كمن قام متعرقًا. ويفيد أن يتذكر حال غرفته في الليل وكثرة الأغطية وحرارة الجو. وقد يكون لذلك أثر مباشر في إحساس الحلم. ولا حاجة إلى البحث عن معنى لكل تفصيل على حدة. وبذلك يقترب الفهم من واقعه.
قد يُفهم الهروب في الهواء الدافئ على أنه رغبة في الابتعاد نحو مكان يمنح الراحة والأنس. وقد يعبّر عن حاجة إلى حضن من الأهل أو الأصدقاء أو إلى جلسة هادئة مطمئنة. وقد يعبّر كذلك عن تعب أراد أن يستريح في دفء مألوف. وقد يكون دعوة إلى أن يحيط الرائي نفسه بما يريحه ويؤنسه. وليس في ذلك ما يخبر عن أمر قادم، فالحلم انعكاس لما في النفس. والدفء هنا شعور لا علامة.
وقد تتصل الرؤيا بأيام باردة أو متعبة سبقت الحلم فاشتاقت النفس إلى الدفء. وقد تعبّر عن رغبة في ذكريات أنيسة أو في لقاء قريب من القلب. وقد تُفهم أيضًا على أنها أثر لغطاء ثقيل أو غرفة دافئة. وكل هذه احتمالات عامة لا يُقطع بواحد منها، والرائي أقدر على معرفة ما يناسب حاله. ويكفي أن يتعامل مع الحلم بلطف. وليس بين هذه المعاني تعارض.
لتفاصيل المنام أثر في المعنى. فإن كان الهواء الدافئ لطيفًا مريحًا فالمشهد أقرب إلى طلب السكينة، وإن كان خانقًا ثقيلًا فقد يشير إلى ضيق أو كثرة أعباء. ووجود أشخاص مألوفين في الحلم يدل غالبًا على قيمة الأنس في شعور الرائي. وإن لم يتذكر الرائي التفاصيل فالمعنى العام كاف. وبعض الأحلام لا تحمل أكثر من أثر ليلة دافئة. فلا حاجة إلى تحميلها فوق ما تحتمل.
من الناحية العملية يفيد أن يهيئ الرائي غرفة نومه بحرارة معتدلة وتهوية جيدة. ويفيد أن يخصص وقتًا لجلسة هادئة مع من يحب. ويفيد كذلك أن يمشي في الهواء الطلق وأن يشرب ماء كافيًا. والحلم ليس نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا اشتد القلق أو استمر طويلًا أو تكررت الكوابيس فالأنسب أن يتكلم مع مختص أو أحد الأهل. وفي الأنس بالأحبة خير كثير.
ما سبق اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يغني عن حسن الظن بالله. فالرؤيا صورة تمر بالنفس ثم تنقضي، ولا تُغير شيئًا بذاتها. وخير ما يفعله الرائي أن يدعو الله بالسكينة وأن يمضي إلى يومه بقلب هادئ. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما يقوله المفسرون محاولات لفهم الرموز. وفي الدعاء وحسن الظن باب واسع من الطمأنينة.
